الصفحة 24 من 62

ثالثًا: مراتب المكلفين

ونقصد بها درجات الناس من حيث فهمهم للشريعة وفقههم في دين الله، فَهُمْ إما مجتهد وإما مقلد وإما متبع.

أ) فالمجتهد:

من كانت لديه القدرة والأهلية لاستنباط الأحكام من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويشترط أن يكون مسلمًا بالغًا عاقلًا عدلًا (1) فقيه النفس، عالمًا بنصوص الأحكام من الكتاب والسنة، عالمًا بلغة العرب وأصول الفقه، عارفًا بمسائل الإجماع حتى لا يُفتي بخلافها، عالمًا بالناسخ والمنسوخ وأسباب النزول، عالمًا بالمقبول والمردود وقواعد الجرح والتعديل. والمجتهد فَرْضُه اتباع ما أداه إليه اجتهاده، ويجوز له الفتيا والقضاء وقد يتعينان عليه.

ب) أما المقلد:

فهو العامّي الخالي من العلم الحاكم ولا أهلية له للنظر في الأدلة ومواقعها، وفَرْضُه ما قال الله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} (2) .

قال القرطبي رحمه الله: (لم يختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها، وأنهم المرادون بقول الله عز وجل: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} ، وأجمعوا على أن الأعمى لابد له من تقليد غيره ممن يثق بمَيْزه بالقبلة إذا أشكلت عليه، فكذلك من لا علم له ولا بصر بمعنى ما يدين به لابد له من تقليد عالمه، وكذلك لم يختلف العلماء أن العامة لا يجوز لها الفتيا، لجهلها بالمعاني التي منها يجوز التحليل والتحريم) (3) .

وقال الشاطبي رحمه الله: (قول المجتهد دليل العامي) (4) .

وقال الشوكاني رحمه الله عن التقليد: (هو العمل بقول الغير من غير حجة، فيخرج - أي عن مسمى التقليد المذموم - العمل بقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، والعمل بالإجماع، ورجوع العامي إلى المفتي، ورجوع القاضي إلى شهادة العدول، فإنها قد قامت الحجة في ذلك) (5) .

وقال شيخ الإسلام: (والذي عليه جماهير الأمة أن الاجتهاد جائز في الجملة، والتقليد جائز في الجملة، لا يوجبون الاجتهاد على كل أحد ويُحَرِّمون التقليد، ولا يوجبون التقليد على كل أحد ويحرمون الاجتهاد، وأن الاجتهاد جائز للقادر على الاجتهاد، والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد) (6) .

قال ابن القيم رحمه الله: (وأما تقليد من بذل جهده في اتباع ما أنزل الله وخفي عليه بعضه فقلد فيه من هو أعلم منه، فهذا محمود غير مذموم، ومأجور غير مأزور) (7) .

وقال ابن قدامة: (وأما التقليد في الفروع فهو جائز إجماعًا، فكانت الحجة فيه الإجماع - إلى أن قال - فلهذا جاز التقليد بل وجب على العامي ذلك، وذهب بعض القدرية إلى أن العامة يلزمهم النظر في الدليل في الفروع أيضًا، وهو باطل بإجماع الصحابة، فإنهم كانوا يفتون العامة ولا يأمرونهم بنيل درجة الاجتهاد، وذلك معلوم على الضرورة والتواتر من علمائهم وعوامهم) (8) .

وبذلك يتبين بطلان قول من يحرم التقليد مطلقًا على العامة، بل هو جائز بل واجب عليهم فيما لم يعلموا دليله بشرطين:

الأول: ألا يقصدوا التزام مذهب بعينه إلا لضرورة كما سبق.

الثاني: ألا يقصدوا تتبع الرخص الموجودة في المذاهب.

قال الشاطبي: (ليس للمقلد أن يتخير في الخلاف كما إذا اختلف المجتهدون على قولين فوردت كذلك على المقلد، فقد يَعُدُّ بعضُ الناس القولين بالنسبة إليه مخيرًا فيهما كما يُخيَّر في خصال الكفارة، فيتبع هواه وما يوافق غرضه دون ما يخالفه - إلى أن قال - وأيضًا فإن ذلك يفضي إلى تتبع رخص المذاهب من غير استناد إلى دليل شرعي، وقد حكى ابن حزم الإجماع على أن ذلك فسق لا يحل، وأيضا فإنه مؤدٍ إلى إسقاط التكليف في كل مسألة مختلف فيها .. إلى آخر كلامه) (9) .

ج) وأما المتبع:

فهو من له نوع أهلية للنظر، لكن لم يبلغ رتبة الاستقلال في الاجتهاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت