قال عنه الشاطبي: (أن يكون غير بالغ مبلغ المجتهدين، لكنه يفهم الدليل وموقعه ويصلح فهمه للترجيح بالمرجحات المعتبرة فيه كتحقيق المناط ونحوه) (10) .
وقال أيضا: (أما إذا كان هذا المتبع ناظرًا في العلم، ومتبصرًا فيما يُلقى إليه كأهل العلم في زماننا، فإن توصله إلى الحق سهل، لأن المنقولات في الكتب إما تحت حفظه وإما مُعَدَّة لأن يحققها بالمطالعة والمذاكرة) (11) .
وقال الخطيب البغدادي رحمه الله: (فإن قال قائل: فكيف تقول في المستفتي من العامة إذا أفتاه الرجلان واختلفا، فهل له التقليد؟ قيل له: إن شاء الله هذا على وجهين: أحدهما: إن كان العامي يتسع عقله ويكمل فهمه إذا عقل أن يعقل، وإذا فهم أن يفهم، فعليه أن يسأل المختلفين عن مذاهبهم وعن حججهم، فيأخذ بأرجحها عنده، فإن كان عقله يقصر عن هذا وفهمه لا يكمل له، وَسِعه التقليد لأفضلهما عنده) (12) .
والأصل في ذلك كله أننا مأمورون باتباع الشرع المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيره، قال تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء} (13) ، ولكن {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} (14) ، و قال صلى الله عليه وسلم: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) (15) ، لذلك ذهب الجمهور إلى أن الاجتهاد يقبل التجزئة والانقسام، فقد يكون الإنسان مجتهدًا في باب أو مسألة ومقلدًا في غيرها.
قال شيخ الإسلام: (الاجتهاد ليس هو أمرًا واحدًا لا يقبل التجزئ والانقسام بل قد يكون الرجل مجتهدًا في فن وباب ومسألة دون فن وباب ومسألة، وكل أحد فاجتهاده بحسب وسعه) (16) .
وقال الشنقيطي: (الحق الذي لاشك فيه أن كل من له قدرة من المسلمين على التعلم والتفهم وإدراك معاني الكتاب والسنة، يجب عليه تعلمهما والعمل بما علم منهما، أما العمل بهما مع الجهل بما يعمل به منهما فممنوع إجماعًا، وأما ما علمه منهما علمًا صحيحًا ناشئًا عن تعلُّمٍ صحيح فله أن يعمل به ولو آية واحدة أو حديثًا واحدًا) (17) .
وقال: (يصح علم حديث والعمل به، وعلم آية والعمل بها، ولا يتوقف ذلك على تحصيل جميع شروط الاجتهاد) (18) .
وليس للمسلم أن يعطل العمل بالنصوص بدعوى احتمال وجود معارض لها لم يبلغه، لأنه لو فتح هذا الباب ما بقى للشريعة دليل يعتمد، ولذلك قال شيخ الإسلام: (من يقول قد يكون للقول الآخر حجة راجحة على هذا النص وأنا لا أعلمها فهذا يقال له قد قال الله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:(إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) ، والذي تستطيعه من العلم والفقه في هذه المسألة قد دلَّكَ على أن هذا القول هو الراجح فعليك أن تتبع ذلك، ثم إنْ تَبَيَّنَ لك فيما بعد أن للنص معارضًا راجحًا كان حكمك في ذلك حُكْمَ المجتهد المستقل إذا تغير اجتهاده، وانتقال الإنسان من قول إلى قول لأجل ما تبين له من الحق هو محمود فيه) (19) .
وقال الشنقيطي: (فظواهر النصوص من عموم واطلاق ونحو ذلك، لا يجوز تركها إلا لدليل يجب الرجوع إليه من مخصِّص أو مقيِّد، لا لمجرد مطلق الاحتمال) (20) .
وليس للمسلم كذلك إذا بان له الدليل السالم عن المعارض أن يترك العمل به بدعوى أن فلانًا ترك العمل به وهو أعلم مني.