رابعًا: أدلة الأحكام
الأدلة الإجمالية التي اتفق عليها جمهور أهل السنة والجماعة أربعة وهي: الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
أ) الكتاب:
هو القرآن المنزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، المنقول إلينا بالتواتر، والمُتعبَّد بتلاوته، أنزله الله لنتدبره ولِنعملَ به ونُحكِّمَه في حياتنا. قال تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدَّبَّروا ءاياته وليتذكر أولوا الألباب} (1) ، وقال تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولاتكن للخائنين خصيمًا} (2) ، وجعله سببًا لثبات المؤمنين قال تعالى: {قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليُثَبِّتَ الذين ءامنوا وهدى وبشرى للمسلمين} (3) ، وتحدَّى الله الثقلين أن يأتوا بمثله أو بسورة أو بعشر سور فقال تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا} (4) ، وفضائله أكثر من أن تحصى، وجميع أدلة الأحكام ترجع إلى الكتاب فهو أصلها ومستندها.
ب) والسنة:
وهي ما أُثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة، وتعتبر المصدر الثاني للتشريع، فقد افترض الله على عباده طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأجمع المسلمون على وجوب طاعته. قال تعالى: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول} (5) ، وقال: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا} (6) وقال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزل إليهم ولعلهم يتفكرون} (7) .
والسنة قد تأتي مؤكدِّة لِحُكْمٍ ذُكرَ في كتاب الله، أو مؤسسة لحكم سكت عنه أو مقيدة لما أطلقه، أو مخصِّصة لعمومه، أو مبيِّنة لمجمله.
ج) والإجماع:
هو اتفاق جميع المجتهدين من أمة النبي صلى الله عليه وسلم في عصر من العصور بعد وفاته على حكم شرعي.
فإذا ثبت هذا الاتفاق كان حجة قطعية، وإذا غلب على الظن ثبوته فهو حجة ظنية تُقدَّم على ما دونها بالظن، وقد يُعبَّر عنه بعدم العلم بالمخالف.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والإجماع نوعان: قطعي، فهذا لا سبيل إلى أن يُعلَمَ إجماع قطعي على خلاف النص، وأما الظني فهو الإجماع الإقراري والاستقرائي بأن يستقرئ أقوال العلماء فلا يجد في ذلك خلافًا، أو يشتهرَ القول في القرآن ولا يعلم أحدًا أنكره، فهذا الإجماع وإن جاز الاحتجاج به فلا يجوز أن تدفع النصوص المعلومة به، لأن هذا حجة ظنية لا يجزم الإنسان بصحتها - إلى أن قال - لكن يُحتجُّ به ويُقَدَّمُ على ما هو دونه بالظن، ويقدَّمُ عليه الظن الذي هو أقوى منه) (8) .
وإذا نقل عالم الإجماعَ على حُكمٍ ما ونقل آخر فيه خلافًا، قُدّم أضبطهما نقلًا.
قال شيخ الإسلام: (وينُظر في ذلك إلى مثبت الإجماع والنزاع، فمن عُرف منه كثرة ما يدعيه من الإجماع والأمر بخلافه ليس بمنزلة من لم يُعلم منه إثبات إجماع عُلم انتفاؤه، وكذلك من علم منه في نقل النزاع أنه لا يغلط إلا نادرًا ليس بمنزلة من علم منه كثرة الغلط) (9) .
د) والقياس: