هو: إلحاق ما لا نص فيه بما فيه نص في الحكم لاتحاد العلة، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يستعملون القياس في مواجهة الوقائع التي لا نص فيها، وبذلك تَعْلُمُ أن استعمال القياس الصحيح هو منهج السلف الصالح رضي الله عنهم خلافًا للظاهرية ومن ذهب مذهبهم ممن أهدر المعاني ولم يلتفت إلى علل الأحكام، وقد ساق ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين آثارًا كثيرة عن الصحابة رضي الله عنهم في استعمالهم القياس ثم قال: (المقصود أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يستعملون القياس في الأحكام، ويعرفونها بالأمثال والأشباه والنظائر، ولا يلتفت إلى من يقدح في كل سند من هذه الأسانيد، وأثر من هذه الآثار، فهذه في تعددها واختلاف وجوهها وطرقها، جارية مجرى التواتر المعنوي الذي لا يُشك فيه) (10) .
وكذلك ذكر الشاطبي في الموافقات حيث قال: (وإذ تأملت أدلة كون الإجماع حجة أو خبر الواحد أو القياس حجة فهو راجع إلى هذا المساق - أي شبه التواتر المعنوي- لأن أدلتها مأخوذة من مواضع تكاد تفوت الحصر، وهي مع ذلك مختلفة المساق لا ترجع إلى باب واحد، إلا أنها تنتظم المعنى الواحد الذي هو المقصود بالاستدلال عليه، وإذا تكاثرت على الناظر الأدلة عضد بعضها بعضًا فصارت بمجموعها مفيدة للقطع) (11) .
وقال عن رأي الظاهرية: (ويتضمن نفي القياس الذي اتفق الأولون عليه) (12) . بل قال عن المهديين بالأندلس: (وكانوا هم مرتكبين للظاهرية المحضة التي هي عند العلماء بدعة ظهرت بعد المائتين من الهجرة) (13) .
وقال ابن رجب الحنبلي رحمه الله في شرح قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها) (14) : (وهذا قد يتمسك به من يتعلق بظاهر اللفظ وينفي المعاني والقياس كالظاهرية، والتحقيق في هذا المقام والله اعلم أن البحث عما لم يوجد فيه نص خاص أو عام على قسمين:
أحدهما: أن يبحث عن دخوله في دلالات النصوص الصريحة من الفتوى (15) والمفهوم والقياس الظاهر الصحيح، فهذا حق، وهو مما يتعين فعله على المجتهدين في معرفة الأحكام الشرعية.
والثاني: أن يدقق الناظر نظره وفكره في وجوه الفروق المستبعدة، فيُفرِّق بين متماثلين بمجرد فرق لا يظهر له أثر في الشرع مع وجود الأوصاف المقتضية للجمع، أو يجمع بين متفرقين بمجرد الأوصاف الطارئة التى هي غير مناسبة ولا يدل دليل على أن تأثيرها في الشرع، فهذا النظر والبحث غير مَرْضِيّ ولا محمود مع أنه قد وقع في طوائف من الفقهاء، وإنما المحمود النظر الموافق لنظر الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من القرون المفضلة كابن عباس ونحوه) (16) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومن لم يلحظ المعاني من خطاب الله ورسوله ولا يفهم تنبيه الخطاب وفحواه من أهل الظاهر، كالذين يقولون إن قوله تعالى: {فلا تقل لهما أُفٍ} لا يفيد النهي عن الضرب، وهو إحدى الروايتين عن داود واختاره ابن حزم وهذا في غاية الضعف، بل وكذلك قياس الأوْلى وإن لم يدل عليه الخطاب، لكن عُرِف أنه أوْلى بالحكم من المنطوق بهذا، فإنكاره من بدع الظاهرية التي لم يسبقهم إليها أحد من السلف، فما زال السلف يحتجون بمثل هذا) (17) .
وإنما ذكرنا كل هذه النقول في القياس الصحيح لأن بعض المسلمين يظن أن الوقوف على الظواهر دون مراعاة المعاني والعلل هو منهج السلف، وليس الأمر كذلك.
(1) ص: 29.
(2) النساء: 105.
(3) النحل: 102.
(4) الإسراء: 88.
(5) التغابن: 12.
(6) الأحزاب: 21.
(7) النحل: 44.
(8) مجموع الفتاوى 19/ 267 - 268.
(9) مجموع الفتاوى 19/ 272.
(10) إعلام الموقعين 1/ 161.
(11) الموافقات 1/ 25.
(12) الموافقات 1/ 61.
(13) الاعتصام 1/ 171.