الصفحة 39 من 62

وهنا نحب أن نشير إلى خصوصية من خصوصيات الإسلام وهي الواقعية، فالإسلام لا يعطل مصالح أبنائه من أجل تحصيل شروط مثالية أو خيالية، ومن الأمثلة على ذلك: الخلافة والقضاء والفتيا والشهادة والتزويج والجهاد، فكل هذه الأمور تتعلق بها مصالح المسلمين ويتضررون بتركها، فلو عطلناها من أجل تحصيل شروطها أو كمالياتها لتعطلت مصالح العباد، ولوقعوا في مفاسد عظيمة ومضار وخيمة، ولذلك قرر أهل العلم تولية الأمثل فالأمثل فيها، وهاهي ذي أقوالهم في ذلك:

1)ففي الخلافة (1) :

يقول الجويني بعد أن افترض خلو الزمان عن قرشي: (يستحيل أن يُترك الخلق سدى لا رابط لهم، ويُخَلَّوا فوضى لا ضابط لهم، فيغتلم من الفتن بحرها المواج، ويثور لها كل ناجم مهتاج، ونحن في ذلك نرقب قرشيًا، والخلق يتهاوون في مهاوي المهالك، ويلتطمون في الخطط والممالك) (2) ، رغم أن القرشية شرط عند الجويني.

وكذلك قوله في فقد شرط الاجتهاد في الخليفة فقد قال: (ولكن إذا لم نجد عالمًا فجمع الناس على كافٍ يَستفتي فيما يسنح ويعنُّ من المشكلات، أولى من تركهم سدى متهاوين على الورطات، متعرضين للتغالب والتواثب وضروب الآفات) (3) .

وقال الشاطبي: (إذا فُرِضَ خُلُو الزمان عن مجتهد يظهر بين الناس وافتقدوا إلى إمام يقدمونه لجريان الأحكام، وتسكين ثورة الثائرين، والحياطة على دماء المسلمين وأموالهم، فلابد من إقامة الأمثل ممن ليس بمجتهد، لأنّا بين أمرين: إما أن يُترك الناس فوضى وهو عين الفساد والهرج، وإما أن يُقَدِّموه فيزولُ الفساد بتة ولا يبقى إلا فوت الاجتهاد، والتقليد كافٍ بحسبه) (4) .

وقال شيخ الإسلام: (ومع أنه يجوز تولية غير الأهل للضرورة إذا كان أصلح الموجود، فيجب مع ذلك السعي في إصلاح الأحوال حتى يكمل في الناس مالا بد لهم منه من أمور الولايات والإمارات ونحوها) (5) .

2)وفي القضاء:

قال أبو علي الكرابيسي صاحب الشافعي في كتاب القضاء بعد أن ذكر صفات القاضي: (وهذا وإن كنا نعلم أنه ليس على وجه الأرض أحد يجمع هذه الصفات ولكن يجب أن يطلب من أهل كل زمان أكملهم وأفضلهم) (6) .

وقال ابن القيم: (إذا لم يجد السلطان من يوليه إلا قاضيًا عاريًا من شروط القضاء لم يعطل البلد عن قاضٍ وولىَّ الأمثل فالأمثل) (7) .

3)وفي الفتيا:

قال ابن دقيق العيد رحمه الله: (توقيف الفتيا على حصول المجتهد يفضي إلى حرج عظيم واسترسال الخلق في أهويتهم، فالمختار أن الراوي عن الأئمة المتقدمين إذا كان عدلًا متمكنًا من فهم كلام الإمام ثم حكى للمقلد قوله فإنه يكتفي به لأن في ذلك مما يغلب على ظن العامي أنه حكم الله عنده، وقد انعقد الإجماع في زماننا على هذا النوع من الفتيا) (8) .

وقال الشاطبي: (لو فرضنا خلو الزمان عن مجتهد لم يمكن اتباع العوام لأمثالهم ولا عُدَّ سوادهم أنه السواد الأعظم المنبه عليه في الحديث الذي من خالفه فميتته جاهلية، بل يتنزل النقل عن المجتهدين منزلة وجود المجتهدين) (9) .

وقال ابن القيم في استفتاء من قرأ كتابًا في الفقه وهو قاصر في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف والاستنباط قال: (إن لم يكن في بلده أو ناحيته غيره بحيث لا يجد المستفتي من يسأله سواه فلا ريب أن رجوعه إليه أولى من أن يُقدم على العمل بلا علم أو يبقى مرتبكًا في حيرته مترددًا في عماه وجهالته بل هذا هو المستطاع من تقواه المأمور بها) (10) .

4)وفي الشهادة:

قال ابن القيم: (لو كان الفسق هو الغالب على أهل ذلك البلد وإن لم تُقْبَل شهادة بعضهم على بعض وشهادته له تعطلت الحقوق وضاعت: قَبِل شهادة الأمثل فالأمثل) (11) .

5)وفي التزويج (12) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت