قال الشنقيطي رحمه الله: (فتحكيم هذا النوع من النظام - أي النظام المخالف للشرع - في أنفس المجتمع وأموالهم وأعراضهم وعقولهم وأديانهم، كفر بخالق السماوات والأرض، وتمرُدٌ على نظام السماء الذي وضعه من خلق الخلائق كلها وهو أعلم بمصالحها، سبحانه وتعالى عن أن يكون معه مشرع آخر علوًا كبيرًا. قال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} (30) .
10)وقد انعقد الإجماع على كفر من رد حكم الله وقدم عليه غيره.
قال ابن كثير: (فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدمها عليه؟ من فعل ذلك فقد كفر بإجماع المسلمين) (31) .
وسبق كلام الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق: (وهذا الحكم لا خلاف فيه بتاتًا) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والإنسان متى أحل الحرام المجمع عليه، أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه، كان كافرًا مرتدًا باتفاق الفقهاء) (32) .
11)قال تعالى: {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} (33) .
قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله: (إن الذين يحكمون على عابد الوثن بالشرك، ولا يحكمون على المتحاكم إلى الطاغوت بالشرك، ويتحرجون من هذه ولا يتحرجون من تلك .. إن هؤلاء لا يقرأون القرآن، ولا يعرفون طبيعة هذا الدين .. فليقرأوا القرآن كما أنزله الله، وليأخذوا قول الله بجد:(وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) (34) .
وقال الشيخ عبد الله عزام رحمه الله: (كل من رفض التحاكم إلى شريعة الله أو فضَّل أي تشريع على تشريع الله، أو أشرك مع شرع الله شرائع أخرى من وضع البشر وأهوائهم، وكل من رضي أن يستبدل بشرع الله قانونًا آخر، فقد خرج من حوزة هذا الدين، وألقى ربقة الإسلام من عنقه، ورضي لنفسه أن يخرج من هذه الملة كافرًا) (35) .
وقال في موضع آخر: (فإقامة قانون نابليون أو غيره مقام دين الله، وجعله حكمًا فصلًا في السياسة والاجتماع، والأعراض والأموال والدماء، عمل لا يحتمل تأويلًا غير الكفر، ليست القضية اعترافًا بشرع الله ثم بعد ذلك قد يخالف قاضٍ في التطبيق لهوى أو رشوة أو قرابة، وإنما القضية إقصاء لدين الله نهائيًا من واقع الحياة، والاعتراف بشرع جديد، وفرضه بالحديد والنار على رقاب المسلمين بوجوب طاعته والإذعان له) (36) .
وننبه هنا إلى مسألتين مهمتين:
الأولى: أن إلزام الناس بالقانون الوضعي وعقوبة من يخالفه - ولو كان في مخالفته موافقة الشرع - إن هذا الأمر قدر زائد على مجرد ارتكاب المعصية، بل هو محاربة لله ورسوله.
الثانية: أن المبدل لشرع الله لا يكون إلا مُفضِّلًا، ولا يصح التفصيل بأن يقال: إذا حكم بالقانون الوضعي مفضلًا له على الإسلام كفر، وإن حكم بغيره دون تفضيل لا يكفر كفرًا أكبر، فالاستبدال دال بذاته على التفضيل (37) .
قال الشيخ محمد الصالح العثيمين: (من لم يحكم بما أنزل الله استخفافًا به أو احتقارًا له، أو اعتقادًا أن غيره أصلح وأنفع للخلق، فهو كافر كفرًا مخرجًا من الملة، ومن هؤلاء من يضعون للناس تشريعات تخالف التشريعات الإسلامية، لتكون منهاجًا يسير الناس عليه، فإنهم لم يضعوا تلك التشريعات المخالفة للشريعة الإسلامية إلا وهم يعتقدون أنها أصلح وأنفع للخلق، إذ من المعلوم بالضرورة العقلية، والجِبِلَّةِ الفطرية، أن الإنسان لا يعدل عن منهاج إلى منهاج آخر يخالفه، إلا وهو يعتقد فضل ما عدل إليه، ونقص ما عدل عنه) (38) .