"قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ" [1] .
"وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" [2] .
"أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ، أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" [3] .
وهكذا .. من التوجيهات التي يفيض بها كتاب الله الكريم ..
ومن هذه التوقيعات كلها ينتهي إلى توجيه القلب البشري إلى الله الحق، الخالق المدبر المنشئ المريد ..
ثم يخطو الإسلام مع الفطرة البشرية خطوة أخرى، فيلتقي بالطبية المزدوجة والكيان الموحد في الإنسان.
يلتقي بهذا الكيان الموحد المشتمل على طبيعة مزدوجة، فيرسم له منهجا مزدوج الطبيعة موحد الاتجاه.
فهناك جسم وروح. ونشاط للجسم ونشاط للروح. ولكنهما في النهاية يلتقيان.
وهناك دنيا وآخرة. وعمل للدنيا وعمل للآخرة. ولكنهما طريق واحد لا يفترق فيه العمل عن العبادة ولا العبادة عن العمل، ما دام كلاهما موجها إلى الله.
وحيث تضل النظم الأخرى كلها، فتفصل بين نشاط الجسم ونشاط الروح، وتجعل لكل منهما دستورا ومنهجا مختلفا عن الآخر .. وتفصل بين الدنيا والآخرة، فتجعل اتجاه كل منهما مخالفا لاتجاه الأخرى .. فإن الإسلام يلتقي مع الفطرة على طبيعتها، فلا يفصل بين أجزاء الكيان المترابط، ويراعي -في الوقت ذاته- ما فيه من ازدواج.
فالإنسان يأكل ويشرب .. ويقوم بنشاطه الجنسي .. الخ، ليرضي جانب الجسد من كيانه .. ولكن الإسلام يوجهه ألا يقضي ضروراته بجسده وحده، وإنما بالمزاج المترابط من الجسم والروح [وإن برز فيها الجانب الجسدي] فيجعل الأكل عبادة والجنس عبادة، إذ يربطهما باسم الله، وبالقيم المستمدة من التوجه إلى الله. قيم النظافة والطهارة والترفع عن مستوى الحيوان. فلا يصبح شيء من هذا النشاط ضرورة غليظة يقضيها الإنسان بمبعدة من إشراقة الروح التي تلطفها وتمنحها معناها الإنساني اللطيف الشفيف.
والإنسان يتعبد ويرتفع ويرفرف .. ليرضي جانب الروح من كيانه .. ولكن الإسلام يوجهه أن يقضي نشاطه الروحي بكيانه المجتمع المترابط .. فيرسم له عبادات تشمل كيانه كله [وإن برز فيها الجانب الروحي] كالصلاة والصيام والزكاة والحج .. فلا ينعزل بروحه -حتى في عبادته- عن واقعه الجسدي، ولا يجعل العبادة رهبانية وعزلة عن الحياة!
(1) سورة التوبة [51] .
(2) سورة البقرة [245] .
(3) سورة النمل [62 - 64] .