الصفحة 105 من 169

ويعيش الإنسان حياته، ويعيش للآخرة .. ولكن الإسلام يوجهه أنّهما طريق واحد وطريقة واحدة .. ليست هناك أعمال خاصة بالدنيا ينعزل فيها الإنسان عن الآخرة، حتى الطعام والشراب والجنس والقتال والبروز والملك .. الخ. وليست هناك أعمال خاصة بالآخرة ينعزل فيها الإنسان عن الدنيا، حتى العبادة والتهجد. وإنما العمل الواحد -وكل عمل- هو للدنيا والآخرة في آن واحد: يأكل بنظافة واعتدال وطهارة وباسم الله، فيأخذ نصيبه من الدنيا، وهو في الوقت ذاته متوجه بهذه"المعاني"كلها للآخرة في ذات العمل وفي ذات الللحظة. ويمارس نشاطه الجنسي بنظافة وطهارة، وباسم الله، فيأخذ متعته الدنيوية وهو في الوقت ذاته متوجه إلى الآخرة بما التزم في هذا النشاط من طهارة .. ويسعى إلى الملك أو البروز أو القتال .. بنظافة واعتدال وطهارة وباسم الله وفي سبيل الله .. فيمارس نشاطه الدنيوي كله، وهو في الوقت ذاته متوجه إلى الآخرة عامل لها شاعر بها ملء كيانه. فتلتقي الدنيا والآخرة في كيانه المزدوج الطبيعة الموحد الاتجاه.

يقول الله في كتابه:"وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا" [1] .

ويقول:"قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [2] .

فيجمع الدنيا والآخرة في الآية الواحدة والعمل الواحد.

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها، فله بذلك أجر" [3] .

فيجعل طريق العمل في الدنيا هو ذاته الطريق إلى الآخرة .. العمل إلى آخر لحظة من الحياة الدنيا .. حتى والقيامة تقوم [4] !

ثم يخطو الإسلام مع الفطرة خطوة أخرى، فيلتقي بالخطوط المتقابلة في النفس البشرية.

وقد تحدثت بالتفصيل في كتاب"منهج التربية الإسلامية"كذلك عن طريقة معالجة الإسلام للخطوط المتقابلة في النفس البشرية بما لا أملك إعاداته في هذا الكتاب .. فيكفي أن نسجل هنا هذه الحقيقة مع إشارة سريعة إلى طريقة الإسلام في معالجة تلك الخطوط المتقابلة.

"ومزية الإسلام -في مسايرته للفطرة- أنه لا يترك وترا من أوتار النفس لا يوقع عليه. ثم هو لا يوقع على وتر أكثر من طاقته، أو يبخسه قدره فلا يوقع عليه ما يستحق من نغمات! وبذلك يشمل الكيان الإنساني كله، وفوق ذلك يحدث التوازن في داخل النفس بشدها إلى أوتادها جميعًا فلا تميل من هنا ولا تميل من هناك، والتوقيع على أوتارها جميعًا فلا تنطلق من جانب وتظل في الجانب الآخر صماء!" [5] .

يوقع الإسلام على خطّي الخوف والرجاء -أكبر الخطوط المتقابلة في النفس البشرية- فينفي عنهما أولا كل خوف خاطئ وكل رجاء منحرف، ثم يوقع عليهما نغمات الخوف والرجاء الصالحين لكيان الإنسان: الخوف من الله ومما يخوّف به الله .. والرجاء في الله الذي يملك وحده كل شيء في هذا الوجود.

وفي أثناء هذه التوقيعات يكون قد بنى الكيان الصالح للنفس البشرية!

فهو إذ ينفي عنها الخوف الخاطئ من قوى الأرض- البشرية أو المادية أو المعنوية- والرجاء الخاطئ في قوى الأرض الزائلة أو متاعها الزائل أو قيمها الزائفة .. يكون قد أعطاها قوة ذاتية عظمى، قوة تتغلب بها على كل قوى الأرض ومغريات الأرض ..

(1) سورة القصص [77] .

(2) سورة الأعراف [32] .

(3) ذكره علي بن عبد العزيز في المنتخب عن أنس رضي الله عنه.

(4) انظر الكلام هذا الحديث العجيب في كتاب"قبسات من الرسول"فصل:"فليغرسها!".

(5) من كتاب"منهج التربية الإسلامية"ص155.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت