الصفحة 106 من 169

وإذ يوقع عليها الخوف الصائب من الله ومن غضب الله وعذابه، والرجاء الصائب في الله ومرضاته وثوابه، يكون قد ربطها بالعروة الوثقة ومنع عنها الميل والانحراف ..

وفي الوقت ذاته يكون قد رسم لها قيمها وأهدافها وخطط لها نشاطها السوي، وهو يفصّل لها ما يحبه الله وما يكرهه، وما يرضى عنه وما يأباه من الأقوال والأفعال والمشاعر والأفكار ..

ويوقع على خطّي الحب والكره، فينفي عنهما كل حب باطل وكل كره منحرف، ويوقع عليها نغمات الحب والكره الصالحين لكيان الإنسان.

فكل حب للشر أو الطغيان أو الفاحشة أو الانحراف فهو حب باطل ينبغي أن تتطهر منه النفس .. وكل كره للخير وللناس وللأحياء ولما أمر الله به من أمر فهو كره باطل ولا ينبغي أن تشتمل عليه نفس سوية. والحب الصحيح ينبغي أن يكون حبًا لله وللكون وللحياة وللأحياء وللإنسانية والقيم الفاضلة التي رسمها الله. والكره الصحيح ينبغي أن يكون للشر والطغيان والانحراف.

وهو إذ يوقع عليهما أنغامهما الصحيحة يكون كذلك قد بنى -من جانب آخر- الكيان الصالح للنفس البشرية!

فحين تتوجه طاقة الحب والكره -الفطرية- إلى مجالها الصحيح تكون النفس قد اعتدلت، ويكون سلوكها العملي والشعوري قد استقام على النهج، وأصبحت النفس خيّرة كما ينبغي للإنسان الكريم.

ويستغل الطاقة الحسية والطاقة المعنوية فيعطي كلًا منهما غذاءه الحق. يعطي الطاقة الحسية مجالها الطبيعي من طعام شراب وجنس .. الخ ويعطي الطاقة المعنوية مجالها من عقيدة وفنون وعلم وتفكير. ثم يراعي ما بين الطاقتين من اتصال فطري، فيربط ما بين النشاط الحسي والنشاط المعنوي، ويوحد بينهما في الاتجاه.

ويستغل الإيمان بما تدركه الحواس والإيمان بالغيب .. فيعطي الكون المادي حسابه الكامل، وينعى العقيدة في الله -الذي يؤمن به الإنسان بالغيب- تنمية كاملة تجعلها تسيطر على كل نشاط الإنسان.

ويستغل طاقة الواقع وطاقة الخيال .. فيطلق النشاط البشري في عالم الواقع يعمل وينشئ ويبني ويعمر، ويقيم النظم المادية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية والروحية .. ويطلق الخيال يتخيل الكمال المطلق في الله، ويتملى الجمال، ومشاهد اليوم الآخر، والثواب والعقاب .. ويربط ذلك كله ربطًا محكمًا كما هو متربط في كيان الإنسان. فينطلق الإنسان في نشاطه الأرضي المعمّر، وفي حسه من الجانب الآخر"ما ينبغي"أن يكون عليه هذا النشاط، فيتكامل بذلك نشاطه، وتكون هذه هي الخلافة الحقة عن الله في الأرض ...

ويستغل الالتزام والتحرر .. فيفرض على الإنسان -من جانب الالتزام- ما فيه صلاح حياته، وما لا بد من فرضه لتستقيم الحياة في مستواها الأدنى، ويترك لجانب التحرر -أو التطوع- أن يعمل حرًا فيما يزيد على الحد الأدنى المفروض، وما يرفع الحياة إلى مستواها الأعلى المطلوب ["فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ[1] "].

ويستغل السلبية والإيجابية .. فينشئ سلبية صحيحة إزاء الله، الذي يملك -وحده- كل أمر في هذا الوجود، وإيجابية صحيحة إزاء كل قوى الكون ["وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ[2] "]، ويجعل هذه الإيجابية الكاملة إزاء الكون وقواه، مستمدة من السلبية الكاملة إزاء الله.

(1) سورة البقرة [184] .

(2) سورة الجاثية [12] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت