الصفحة 107 من 169

ويستغل النزعة الفردية والنزعة الجماعية، فيتعامل تعاملا مباشرا مع"الفرد"الإنساني: يخاطبه، ويربط بينه وبين الله رباطًا ذاتيًا فرديًا محكمًا، ويشعره كأنما هو وحده في الكون والله يرعاه في فرديته الكاملة تلك، ثم يتعامل معه على أنه"مجتمع"إنساني مسئول عن إقامة حكم صالح وحياة رشيدة، ومسئول عن تقدير القيم والفضائل ومقاومة الشر والطغيان والانحراف. وبذلك يجمع نزعتيه معًا في هذا الرباط مع الله.

ثم يخطو الإسلام مع الفطرة الإنسانية خطوة أخرى، فيعالج الإنسان من حيث هو دوافع وضوابط كل منهما قائم وكل منهما أصيل ..

فهو يعترف بدوافعه الفطرية كلها بل ينميها ويقويها ويجعلها مطلوبة جميعًا. إنه يريد للإنسان أن يأكل ويشرب، ويأمره بذلك أمرًا ["كُلُوا وَاشْرَبُوا"[1] ]ويأمره أن يقضي ضرورة الجنس [فمن رغب عن سنتي فليس مني[2] ]ويبيح له أن يتملك وأن يقاتل وأن يبرز .. كل دوافعه مباحة ونظيفة ومعترف بها، بل هو مدعو إلى تنميتها وتقويتها .. فهذا هو سبيل الكائن البشري إلى الخلافة عن الله في الأرض .. ولن يستطيع أن يبني ويعمر، ويمشي في مناكب الأرض، ويستغل طاقاتها المذخورة ويتعرف على قوانين الكون وينتفع بها إلا أن يكون قوى الكيان قوى الدوافع مقبلا كل الإقبال على الحياة ..

وفي الوقت ذاته ينسى الضوابط جميعًا، ويستغل طاقاتها الكاملة، ويربطها بالعقيدة في الله. لكي يجعل انطلاق الدوافع الفطرية نظيفًا بما ينبغي للإنسان الذي كرمه الله. ذلك أنه لن يستطيع القيام بالخلافة عن الله في الأرض إذا انطلقت دوافعه -القوية- بلا ضابط ولا دليل. إنها عندئذ تصبح قوة مدمرة بدل ما هي قوة منشئة بانية. مدمرة للفرد الذي تتملكه، وللمجتمع الذي تنطلق فيه.

ولكن الإسلام لا يجوز على هذه ولا تلك، ولا ينعى إحداهما على حساب الأخرى.

لا ينعى الدوافع بالصورة التي تجعلها صعبة الضبط عسيرة القياد .. ولا ينعى الضوابط بالصورة التي تجعلها قوة كابتة تغل للنشاط الإنساني عن الانطلاق.

وإنما هو ينميمها معا، فيضمن قيام كل منهما بمهتها، ويضمن كذلك بينهما التوازن والاعتدال.

ومع ذلك كله يراعي الإسلام ما في الفطرة البشرية من الضعف إزاء الشهوات -رغم وجود الضوابط الفطرية، ورغم العمل على تقويتها- فيعترف للإنسان بضعفه ["يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا[3] "]ويعامله على أساس هذا الضعف، فيغفر له زلاته ما دام لا يصر عليها: ["وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ، أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ[4] "].

(1) سورة البقرة [60] .

(2) عن أنس رضي الله عنه.

(3) سورة النساء [28] .

(4) سورة آل عمران [134 - 136] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت