الكبت ضار. نعم .. في كل شيء، وفي الجنس كذلك. ولكن الضبط ضروري في كل شيء. وفي الجنس ككل شيء .. لأنه لا يزيد عن كونه دافعا فطريا في حاجة دائمة للتهذيب.
ثم إن كثيرًا من الجرائم والانحرافات التي أصر فرويد على تفسيرها تفسيرًا جنسيا، تحتمل تفسيرات أخرى لا جنسية. ولكنها -في إصراراه على تلويث البشرية كلها بلوثة الجنس- كان يرفض أي تفسير لا يدخل فيه الجنس!
فكراهية الأب -المكبوتة- التي قد تؤدي في نهاية الشوط إلى جريمة القتل، ليس من الضروري على الإطلاق أن ترتبط بعشق الأم! فهي وحدها تحمل مبرراتها وخط سيرها الذاتي! وقد تقترن بالالتصاق بالأم، نعم. ولكنها كذلك قد لا تقترن. ولا تحتاج إلى دافع إضافي لتصل إلى الجريمة! ولكن كيف يترك فرويد فرصة لإدخال الجنس في الموضوع ولا يستغلها؟! وكيف يؤدي إذن مهمته الأصيلة في تلويث البشرية؟
ثم .. لقد أغفل الكبت الاقتصادي والكبت السياسي والكبت الاجتماعي إغفالا كاملا من الموضوع! وهي -كالكبت الجنسي- مسئولة عن كثير من الجرائم وكثير من الانحرافات.
أو ليس الفقر -وهو كبت قهري لرغبة الملك- مسئولا عن انحرافات كثيرة فيها الحسد والحقد، والسرقة والنهب والغصب والقتل والتشرد النفسي .. أي إباء الاندماج في الجماعة والسلوك الصالح معها؟
والكبت الاجتماعي أو السياسي -أي كبت الرغبة السوية في البروز- أليس مسئولا عن انحرافات كثيرة منها الميوعة والتفاهة والتعلق"بالتقاليع"الفارغة لتحقيق البروز من غير طريقه السليم. ثم الجريمة كذلك لتحقيق نفس الهدف .. للوصول إلى الشهرة والذكر بين الناس؟!
نعم. إن كل أنواع الكبت ضارة. سواء كان العامل فيها أمرًا خارجا عن الإرادة -كالقوة السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو سلطة الوالدين- أو كانت عوامل شخصية يقوم بها صاحبها نتيجة اقتناع خاطئ. ولكن القول بأن كل الكبت كبت جنسي، أو بأن الكبت الجنسي وحده هو المسئول عن كل انحرافات الأرض .. فقول لا يصدر إلا عن شخص شاذ مريض!
ومن نتائج الكبت كذلك -أحيانا- الصراع الدائم في باطن النفس، الذي يجعلها كمناطق البراكين والزلازل عرضة للهزات الدائمة والانفجارات .. وعرضة للتشقق والانفصال أحيانا كما يحدث في حالة الفصام [الشيزوفرينيا] وازدواج الشخصية، الذي يجعل الإنسان شخصين منفصلين ليس بينهما ارتباط.
وأخيرا نتحدث عن النوع الأخير من المرض النفسي الذي ينشأ من توقف النمو عند مرحلة نفسية معينة، أو عدم تكامل النضوج في جميع أجزاء النفس.
المفروض أن تنمو النفس نموا دائمًا حتى تصل إلى مرحلة النضوج والاستقرار، كما يستمر نمو الجسم إلى أقصى درجات الاكتمال المتاحة له، ثم يثبت على ذلك فترة طويلة لا تصيبه إلا تغيرات طفيفة، حتى تصيبه الشيخوخة في نهاية المطاف. ولو تصورنا جسما لا ينمو مع السن فيقف عند مرحلة الطفولة أو المراهقة أو الشباب المبكر غير المكتمل .. أو تصورنا جسما ينمو في جميع أجزائه إلا جزءًا واحدًا أو بضعة أجزاء تظل على حالة الطفولة [كالمصابين بشلل الأطفال في عضو من أعضائهم] .. إذا تصورنا هذه الصورة أمكن أن نتصور ما يقابلها في عالم النفس، إذا توقف النمو النفسي كله عند مرحلة معينة، أو تكامل النمو في أجزاء من النفس دون أجزاء.