الصفحة 139 من 169

والنفس تتعرض لهذين المرضين لأسباب مختلفة، قد يكون من بينها قسوة المعاملة في أثناء الطفولة وقد يكون التدليل الشديد! فكلا الطرفين المتطرفين يعرض النفس للاختلال! أحدهما يضيق مجاري الدفعة الحيوية ويضع لها قيودا حديدية فتظل ضامرة [كأقدام الصينيات في الأجيال الماضية التي كانت توضع في قوالب معدنية منذ الطفولة فتظل على وضع الطفولة مدى الحياة، وتعجز بطبيعة الحال عن حمل الجسم!] والثاني -وهو التدليل- يعوّد النفس الاسترخاء فتترهل ولا تنمو .. كالطفل الذي يحمله أبواه باستمرار، لا تنمو عضلات رجليه ولا يشتد عوده ولا يتعود المشي وتحمل المشاق. وقد يكون السبب -بغير تدليل- حمل المسئوليات كلها عن الطفل، وتعويده على أن يقوم غيره بأمره باستمرار، فلا تعركه التجربة الذاتية التي هي الوسيلة الوحيدة لتدريب"عضلات النفس"وتقويتها .. أو قد تكون صدمات نفسية عنيفة تجعل الشخص يتشبث -لا شعوريا- بفترة نفسية معينة لا يريد أن يغادرها، أو يرتد إليها بعد أن يكون قد غادرها، ليهرب من مواجهة واقع سيء لا يقدر على مواجهته أو تغييره ..

وأيا كانت الأسباب -ولسنا هنا بصدد بسطها وشرحها- فهي تحدث وقفا كاملا أو جزئيا في النمو النفسي. فتجد إنسانا بالغا يتصرف تصرفات الأطفال أو تصرفات المراهقين .. فلا يقدر المسئولية في أعماله، أو يعبث عبثا صبيانيا لا يليق بالكبار، أو يندفع اندفاعات عاطفية مفاجئة كأيام المراهقة.

أو قد تجد إنسانا يتصنع التعب أو المرض أو الحزن أو الألم لتدلله وتعطف عليه .. وتراه يستبقي دائمًا سببًا لاستدرار العطف، فإذا مرض لا يحب أن يشفى من قريب! وإذا وقع في أزمة يحب أن تطول إلى أقصى مدى -ولو ضايقته! - لأنها تثير عطف الناس عليه!

أو تجد رجلا همه -كالمراهقة المنحرفة- أن يوقع الفتيات في هواه! وينفق جهده وماله في تجميعهن حوله بالهدايا والتزين في الملبس ليبدو وجيها في أنظارهن! أو امرأة همها إيقاع الشبان .. تتزين لهم وتستعرض نفسها أمامهم لتعجبهم .. إلى غير ذلك من أمثال هذه التصرفات.

ثم .. قد تجد إنسانا عاقلا راشدا في كل تصرفاته إلا نقطة معينة، هي نقطة مرضه التي يشابه فيها الطفل أو المراهق .. وغالبا ما يكون في هذه الحالة واعيا لنقطة المرض فيه، فيحاول أن يداريها، أو يواجهها بصراحة على أنها"نقطة ضعف"فيه! وغالبا ما يستطيع كذلك أن يحافظ على اتزانه -رغم وجود نقطة الضعف هذه- لأن القوة الواعية الضابطة تكون في مجموعها أكبر من دفعة الانحراف.

وأخيرًا قد تجد إنسانا كان سويا في كل شيء، ثم أصابته صدمة نفسية عنيفة فأفقدته توازنه .. فعاد -من حيث لا يشعر ومن حيث لا يَقْدِر- إلى حالة طفولة أو حالة مراهقة .. ولا تدخل هذه الحالة في نطاق المرض الواعي الذي يملك الإنسان تغييره أو"ينبغي"عليه تغييره. إنما تحتاج إلى علاج نفسي خاص ..

تلك جملة الانحرافات التي تتعرض لها النفس الإنسانية في مراحل نموها المختلفة .. وقد تحدثنا عن أعراضها ولم نتحدث عن أسبابها إلا في إشارات عابرة، لأن ذلك مبحث متخصص ليس مكانه الكلام عن نظرية عامة في النفس الإنسانية .. ولكنا نردف تلك الإشارات العابرة بكلمة أخرى موجزة عن أسباب الانحراف بصفة عامة، وهي أربعة أنواع من الأسباب.

أول الأسباب وأكبرها هو سوء النظام الذي يحكم المجتمع، ويعدى -بالقدوة السيئة- في أثناء مراحل النمو والالتقاط .. يدخل في ذلك النظام الروحي والفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي .. على الاتساع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت