الصفحة 140 من 169

وكل فساد في النظام ينعكس حتما على الأفراد، وعلى الأطفال بصفة خاصة في مرحلة التكوين. وما دامت العزلة غير مستطاعة، فلا يمكن حماية الطفل من انعكاسات الفساد في المجتمع إلا بجهد تبذله التربية المنزلية. فإذا لم تقم التربية بهذا الجهد، وهي غالبا لا تقوم ما دام الفساد هو الغالب على النظام، فلا مناص إذن من العدوى والمرض والانحراف.

النظام الفكري والروحي الذي لا يؤمن بالله ولا يسير وفق هدى الله. الذي يعبّد البشر للبشر، ولا يدعهم يعبدون الله وحده ويستمدون منه وحده، فيحرمهم من فطرتهم الطبيعية في عبادة الله ويستبدل بها عبادة العباد .. الذي لا يؤمن بالقيم العليا ولا يؤمن بضرورة الضوابط في حياة الإنسان .. والذي يبيح الفوضى الجنسية على أنها انطلاق وتحرر، ويبيح الأنانية والأثرة على أنها حرية شخصية ..

النظام الاقتصادي الذي ينشر الفقر في جانب والترف في جانب آخر ..

النظام الاجتماعي الذي لا يعطي الفرد وضعه الصحيح في المجتمع، فيضخم كيانه على حساب المجتمع أو كيان المجتمع على حسابه ..

كل هذه الأنظمة الفاسدة لا بد أن تطبع بطابعها المنحرف كيان الأفراد .. ولا بد أن يلتقط الطفل توجيهها الفاسد بغير وعي، وينشأ على أنها وضع طبيعي لا انحراف فيه ..

صحيح أن الفطرة البشرية -بقوتها الذاتية التي أودعها الله فيها- تثور بعد أمد على هذه الانحرافات، حين تذوق نتائجها الفاسدة، وتحس بالتعارض القائم بينها وبين هذه الانحرافات .. ولكن هذه عملية طويلة بطيئة الأمد، قد تستغرق أجيالا بعد أجيال .. وفي أثناء هذه الأجيال كلها يكون الناس عرضة للانحرافات ما لم يعصمهم عاصم من اقتناع شخصي بخط الفطرة الأصيل.

وسوء التربية من أكبر أسباب الانحراف. فالتربية هي الوسيلة الوحيدة للتقويم. وحين يترك الطفل بلا تقويم فهو عرضة على الدوام لأن يصيبه أي انحراف من تلك الانحرافات المتعددة التي بيناها في هذا الفصل .. حتى بدون أسباب خارجية أو قاهرة .. فالدفعات الفطرية ذاتها إذا لم تنظمها الحواجز والضوابط ستنشأ طاغية لا محالة .. لأنها لم تتعود على الضبط، ولأن جهاز الضبط لم ينمُ ليقوم بمهمته. وقد بينا بوضوح أن الضوابط -ولو أنها فطرية- في حاجة إلى معونة خارجية لتنميتها. كما يحتاج المشي والنطق. وتلك مهمة التربية. فإذا لم تقم التربية بمهمتها في تنمية الضوابط، فكل انحرافات الدوافع يمكن أن توجد بصورة تلقائية ودون أي سبب إضافي! كالأشجار التي لا بد أن تقلم وتشذب لكي تثمر .. إذا تركت بلا تقليم ولا تشذيب فلن تحمل الثمار ..

وذلك أبسط ما يمكن أن ينشأ من سوء التربية .. أو في الحقيقة من عدم التربية! ولكنه ليس النتيجة الوحيدة. ففي إمكان سوء التربية أن يزرع في النفس أمراضا لم تكن لتوجد بطبيعتها لولا سوء التوجيه.

فعن طريق القدوة السيئة أو التوجيه الفاسد يمكن تنمية الحسية المفرطة أو السلبية المفرطة أو الفردية المفرطة .. أو العكس. ويمكن تربية الطفل على الانطوائية المريضة أو الجرأة المتبجحة. ويمكن أن يوقف نموه عند درجة معينة لا يتعداها، أو يُشل جزء من نفسه عن النمو والنضوج.

وهكذا وهكذا .. كل الانحرافات يمكن أن تحدث عن سوء التربية، كما أن كل الانحرافات يمكن أن تقوّم عن طريق التربية السليمة الراشدة الواعية الدائبة .. وهي المهمة الحقيقية للوالدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت