الصفحة 141 من 169

وهناك الاستعداد الوراثي للانحراف .. فقد يولد الطفل باستعداد وراثي لعنف الدوافع الفطرية أو عنف الضوابط، أو عنف الحسية أو المعنوية، أو عنف السلبية أو الإيجابية، أو عنف الواقعية أو الخيالية، أو الفردية أو الجماعية .. الخ .. الخ .. وهذا الاستعداد الوراثي لا حيلة للطفل فيه .. فهو مفروض عليه، يحمله في"جينات"الوراثة من قبل الميلاد. ولكنه مع ذلك ليس أمرا حتميا. والتربية هي صمام الأمن ضد هذا الاستعداد. وهي كفيلة بتصحيحه وتوجيهه الوجهة الصحيحة، بشيء من التعب والدأب واليقظة الدائمة والانتباه.

فالمعروف طبيا أن أبناء المدخنين أو المدمنين على الشراب يولدون وفيهم استعداد وراثي للتدخين أو تعاطي الشراب. ولكنه ليس حتما أن يصبحو كذلك! ومن الممكن جدا أن ينجوا من الخطر ويصبحوا أشخاصا عاديين أسوياء، حين يجدون التوجيه السليم، أو فقط حين لا يجدون المغريات التي تدفع بهم في هذا السبيل.

والاستعداد النفسي للمرض شأنه شأن هذا الاستعداد سواء. ليس حتمًا أن يصيب الطفل لو وجد التوجيه والتصحيح.

والسبب الأخير هو العيوب الجسمية الخِلْقية والتشوهات التي تشعر الطفل بالنقص فيحاول التعويض فينحرف في محاولة التعويض. ومنذ القدم لاحظ الناس الناس أن"كل ذي عاهة جبار". وهو قول صحيح وإن لم يكن على إطلاقه .. فمحاولة التعويض عن النقص مسألة فطرية يقوم بها الجسم ذاته -آليا- كما تقوم بها النفس. فالذي تنقصه إحدى الحواس يعوضها -في الغالب- بحاسة أخرى. الأذن تعوض العين. والعين تعوض النطق .. وهكذا. ثم وجد أنه حين تسأصل إحدى الكليتين لمرض يصيبها يتضاعف نشاط الكلية الأخرى لتعوضها، وحين تستأصل اللوزتان تنمو الغدد الصغيرة القريبة منها كأنما لتعوض مكانها. وهكذا.

والنفس كذلك تتجه -بلا وعي تقريبًا- إلى تعويض النقص. ومن هنا يتجبر ذو العاهة ليشعر الناس أنه قوي، وأن عاته لم تنقصه عن البشر العاديين! ويبالغ في ذلك -لأن النقص يوجعه- فيصل إلى التطرف المريض.

ولكن ذلك ليس حتما .. فليست هناك وسيلة واحدة حتمية للتعويض هي الانحراف. بل هناك عشرات الوسائل النظيفة الخيّرة المستعلية التي يعوض بها الناقصون نقصهم. فقد يصبح فنانًا. وقد يصبح عالمًا بارعًا. أو عاملًا ماهرًا. أو شخصًا نبيل العواطف حي المروءة، يعوض بفيض مروءته ما يحس به من نقص، فينال من حب الناس واحترامهم وإعزازهم ما يكفل له التعويض المطلوب .. أو يكون قوي الشخصية -في غير انحراف- ينال بالمهابة -السوية- ما يعوض عن ضآلة الحجم -مثلا- أو عن عيب خلقي فيه، فتكون المهابة وقاية له من تفحّص الناس للعيب وتقحّمهم له.

والتوجيه السليم في التربية هو المعين الأكبر على توقي مثل هذه الانحرافات، وإتاحة الفرصة للتعويض الخيّر السليم.

تلك جملة الانحرافات وأسبابها العامة .. وطريقة الوقاية منها -وكذلك طريقة علاجها- هي تتبع خط الفطرة السوية وتقويم النفس- في مرحلة الطفولة خاصة- على هدى الفطرة السليمة السوية.

وليس هذا كتابًا في التربية .. وإنما نحن هنا ندرس فقط ظواهر النفس المختلفة في حالة السواء وحالة الانحراف [1] .

وينبغي -قبل أن نختتم هذا الفصل- أن نشير إلى موقف علم النفس الغربي من موضوع الانحراف والشذوذ.

لقد بالغ علم النفس الغربي مبالغة شديدة في تصوير بعض أنواع الانحراف، بينما أغفل إغفالا معيبا أنواعا أخرى من المرض تبلغ أحيانا درجة الشذوذ، لأن الغرب لا يحسها على أنها أمراض، وهو غارق فيها إلى الأذقان. كما أضاف إلى قائمة المرض حالات سوية لأنها لا تعجبه في انتكاسه الحاضر ولا ينظر إليها بعين الارتياح!

(1) انظر في موضوع التربية كتاب"منهج التربية الإسلامية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت