الصفحة 142 من 169

لقد بالغ علم النفس الغربي مثلا في تصوير الانحرافات التي تنشأ عن شدة الضبط -أو الكبت- حتى كاد يوحي بأن الضبط ذاته عملية ضارة لا ينبغي القيام بها، وأن الأطفال لا ينبغي أن يوجّهوا خوفا من العقد النفسية التي يمكن أن تصيبهم، وإنما يكون التوجيه -إذا لزم الأمر- من بعيد جدًا وعلى حذر شديد!

ثم خرج على ضوء هذا"العلم"جيل مائع رخو متحلل من الأمريكان، هو الذي شكا منه كنيدي خشية على مستقبل أمريكا، وطلب تربية جادة تزيل هذا الترهل الخطر والميوعة المتحللة!

وفي الوقت ذاته أغفل علم النفس الغربي إغفالا يكاد يكون تاما كل الانحرافات التي تنشأ من عدم الضبط، أو من الإفراط في مسايرة الدوافع الفطرية! ولم ير فيها انحرافًا على الإطلاق!

وثمت ظروف محلية كثيرة في أوربا قد أدت إلى هذا الوضع. وكان فرويد أحد العوامل الرئيسية في هذا الاتجاه، كما أن الثورة الصناعية والحربين العالميتين وما أحدثتا من تدمير للقيم والمعتقدات، و"انفلات"من القيود، كانت كلها أسباب لتبرير هذا الانحراف في نظر الغربيين .. ولكن هذا كله قد يفسر ولكنه لا يبرر! فلا شيء يبرر الانحراف!

كذلك لم يضع علم النفس الغربي في حسابه وهو يشخص الأمراض النفسية أن نقص الاتجاه الروحي أو انعدامه، هو من الأمراض التي تصيب النفس! لأن الغرب كله واقع في هذا المرض حتى لم يعد ينكر وقوعه!

ولم يضع حسابه كذلك أن الواقعية المفرطة، أو الإيمان المفرط بما تدركه الحواس أمراض نفسية ينبغي أن تعالج .. لأن الغرب واقع لقمته في هذا الانحراف!

ولم يضع في حسابه أن إيمان الإنسان بمثل وقيم مثالية معلقة في الفضاء، وجريان سلوكه الواقعي بعيدًا عن تلك المثل والقيم مرض يفكك الشخصية في النهاية .. لأن الغرب كله مصاب بهذا التفكك الوبيل!

ولم يضع في حسابه أن الابتعاد عن الله، والاستنكاف عن عبادته، و"التحرر"من التزامات العقيدة أمراض نفسية لا وجود لها في الفطرة السوية .. لأن الغرب كله واقع في هذا الداء [1] !

ولم يضع في حسابه أن السعار الجنسي مرض، وأن خروج المرأة للفتنة والإغراء شذوذ بالنسبة للفطرة .. لأن الغرب صار يرى -في نكسته المقلوبة- أن هذه هي الفطرة وما عداها شذوذ!

وفي الوقت ذاته صار ينظر إلى الإيمان بالغيب على أنه انحراف عن الواقعية لا ينبغي أن يقع فيه الأسوياء! وإلى العفة الجنسية على أنها انحراف وكبت لا يلجأ إليه الشخص السوي فتى كان أو فتاة!

وهكذا تنقلب الموازين في حساب"العلم الموضوعي"الذي لا يتحيز ولا يتأثر بالمسائل الشخصية والاتجاهات الذاتية!!

إن عيب هذا العلم أنه لا يتتبع الفطرة البشرية ذاتها ليتخذ منها الأوزان والمقاييس .. وإنما يأخذ أحكامه وقيمه وموازينه من واقع جيل منحرف أثرت فيه عوامل محلية -ومؤقتة- فأخرجته عن صوابه وانحرفت به عن السبيل.

والعلم -نور الإنسانية الهادي! - ينبغي أن يكون أوسع أفقًا من واقع جيل .. أي جيل. ينبغي أن يجعل في حسابه الأجيال كلها، والبشرية كلها .. وأن يتجاوز النكسة الحاضرة ويخرج من إسارها، إن كان في مكنته حقًا أن يفعل، ويكون"موضوعيًا"حقًا كما يقول.

إن مرجع الحكم على الإنسان .. هو الإنسان! الإنسان في واقعه الأكبر الشامل المحيط، الذي يشمل كل جوانب النفس لا يهمل منها شيئًا ولا يستصغر منها جانبًا، ولا يتحيز لجانب دون جانب [2] .

والانحراف والشذوذ ينبغي أن يقاسا بمقياس الفطرة السوية المتكاملة، لا بمقياس جيل معين، منحرف شديد الانحراف ...

(1) راجع فصل"الدين والفطرة"في هذا الكتاب.

(2) انظر في أواخر الكتاب فصل"التفسير الإنساني للإنسان".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت