فهو أولا يشترط أن يكون حلالًا طيبًا لا عن طريق الفاحشة:"الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ ... إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ..." [1] .
ثم جرت السنة على قراءة اسم الله قبل العمل الجنسي ذاته، أي ربط العمل بالعبادة والتوجه به إلى الله.
ثم يكون في ذاته نظيفًا وطاهرًا:"وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ" [2] .
ثم لا يكون عملًا جسديًا خالصا على طريقة الحيوان:
فأولا: تصاحبه أقوال ومداعبات تلطف من غلظ الحس. وفيما روت عائشة رضي الله عنها من حال الرسول صلى الله عليه وسلم معها ما يثبت هذا المعنى ويؤكده، فقد روت من أنواع المداعبة الكثير.
وثانيًا: يذكّر الإنسان بأن الجنس وسيلة لهدف، وليس هدفًا في ذاته:"نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ" [3] والإشارة في الحرث واضحة إلى البذرة والإنبات .. أي النسل عن طريق المجاز.
وثالثاُ: يُجْعَل علاقة روحية ووجدانية إلى جانب كونه علاقة جسدية:"هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ" [4] ."وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً" [5] .
وبهذا يصبح الجنس نشاطًا جسميًا روحيًا، أو"إنسانيًا"بتعبير آخر، صادرًا عن الكيان المجتمع للإنسان.
ثم يجعل مختلف ألوان النشاط الإنساني في الحياة ممتزجة مترابطة على ما هي عليه في حقيقة النفس:
العمل والعبادة أمران مرتبطان:
فكل عمل يتوجه به الإنسان إلى الله فهو عبادة. بل هو العبادة:"لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَاسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَاسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ" [6] .
والعبادة عمل يشترك فيه الجسم إلى جانب الروح:
فالصلاة -وهي عنوان العقيدة ولبابها- حركة جسم متطهر إلى جانب حركة روح متطلعة تحاول في خشوعها أن تتصل بالله. وهي لا تصح بأحد العنصرين دون الآخر. لا تصح دون تهيؤ الجسم لها بالتطهر والوضوء واشتراكه في الحركات والسكنات في القيام والركوع والسجود؛ ولا تصح دون تهيؤ الروح بالوعي والخشوع والتطلع إلى الله:"فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ" [7] ."قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ" [8] .
(1) سورة المائدة [5] .
(2) سورة البقرة [222] .
(3) سورة البقرة [223] .
(4) سورة البقرة [187] .
(5) سورة الروم [21] .
(6) سورة البقرة [177] .
(7) سورة الماعون [4] .
(8) سورة المؤمنون [1 - 2] .