الصفحة 6 من 169

"هناك تفاوت عجيب بين علوم الجماد وعلوم الحياة .. وعلوم الفلك والميكانيكا والطبيعة، تقوم على آراء يمكن التعبير عنها بسداد وفصاحة باللغة الحسابية. وقد أنشأت هذه العلوم عالما متناسقا كتناسق آثار اليونان القديمة. إنها تنسج حول هذا العالم نسيجًا رائعًا من الإحصاءات والنظريات. إنها تبحث عن الحقيقة فيما وراء مملكة تمتد من الفكر الشائع إلى المعنويات غير المنطوقة التي تتكون من المعادلات الجبرية والرموز فقط .. بيد أن موقف علوم الحياة يختلف عن ذلك كل الاختلاف، حتى ليبدو كأن الذين يدرسون الحياة قد ضلوا طريقهم في غاب متشابك الأشجار. أو أنهم في قلب دغل سحري، لا تكف أشجاره التي لا عداد لها عن تغيير أماكنها وأحجامها. فهم يرزحون تحت عبء أكداس من الحقائق التي يستطيعون أن يصفوها، ولكنهم يعجزون عن تعريفها أو تحديدها في معادلات جبرية. فمن الأشياء التي تراها العين في عالم الماديات، سواء أكانت ذرات أم نجوما، صخورا أم سحبا، صلبا أم ماء .. أمكن استخلاص خواص معينة كالثقل والأبعاد والاتساعية .. وهذه المستخلصات -وليست الحقائق العلمية- هي مادة التفكير العلمي .. وملاحظة الأشياء تمدنا فقط بأقل صور العلم شأنا، ونعني بها الصورة الوصفية. فالعلم الوصفي يرتب الظواهر، بيد أن العلاقات التي لا تتغير بين الكميات غير القابلة للتغير -أي القوانين الطبيعية- تظهر فقد عندما يصبح العلم أكثر معنوية. وما ذلك النجاح العظيم الشريع الذي نراه في علمي الطبيعة والكيمياء إلا لأنهما علمان معنويان كميان ... وبتعلمنا سر تركيب المادة وخواصها استطعنا الظفر بالسيادة تقريبا على كل شيء موجود على ظهر البسيطة .. فيما عدا أنفسنا."

".... ولكن علم الكائنات الحية بصفة عامة -والإنسان بصفة خاصة- لم يصب مثل هذا التقدم .. إنه لا يزال في المرحلة الوصفية .. فالإنسان كل لا يتجزأ، وفي غاية التعقيد، ومن غير الميسور الحصول على عرض بسيط له، وليست هناك طريقة لفهمه في مجموعه، أو في أجزائه، في وقت واحد. كما لا توجد طريقة لفهم علاقاته بالعالم الخارجي."

"ولكي نحلل أنفسنا بإننا نضطرون إلى الاستعانة بفنون مختلفة، وإلى استخدام علوم عديدة، ومن الطبيعي أن تصل كل هذه العلوم إلى رأي مختلف، في غايتها المشتركة، فإنها تستخلص من الإنسان ما تمكنها وسائلها الخاصة من بلوغه فقط. وبعد أن تضاف المستخلصات بعضها إلى بعض، فإنها تبقى أقل غناء من الحقيقة الصلبة .. إنها تخفي وراءها بقية عظيمة الأهمية بحيث لا يمكن إهمالها .."

"وفي الحق لقد بذل الجنس البشري مجهودًا جبارًا لكي يعرف نفسه .. ولكن بالرغم من أننا نملك كنزًا من الملاحظة التي كدسها العلماء والفلاسفة والشعراء وكبار العلماء الروحانيين في جميع الأزمان، فإننا استطعنا أن نفهم جوانب معينة فقط من أنفسنا .. إننا لا نفهم الإنسان ككل .. إننا نعرفه على أنه مكون من أجزاء مختلفة. وحتى هذه الأجزاء ابتدعتها وسائلنا. فكل واحد منا مكون من موكب من الأشباح تسير في وسطها حقيقة مجهولة .."

"وواقع الأمر أن جهلنا مطبق. فأغلب الأسئلة التي يلقيها على أنفسهم أولئك الذين يدرسون الجنس البشري تظل بلا جواب، لأن هناك مناطق غير محدودة في دنيانا الباطنية ما زالت غير معروفة."

"... فمن الواضح أن جميع ما حققه العلماء من تقدم فيما يتعلق بدراسة الإنسان غير كاف، وأن معرفتنا بأنفسنا ما زالت بدائية في الغالب".

ثم يعود فيشرح أثر هذا الجهل المطبق بحقيقة الإنسان على الحياة البشرية الاقتصادية والاجتماعية والحضارية والفكرية .. الخ فيقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت