"إن الحضارة العصرية تجد نفسها في موقف صعب، لأنها لا تلائمنا. لقد أنشئت دون أية معرفة بطبيعتنا الحقيقية، إذ أنها تولدت من خيالات الاكتشافات العلمية، وشهوات الناس، وأوهامهم، ونظرياتهم ورغباتهم .. وعلى الرغم من أنها أنشئت بمجهوداتنا، إلا أنها غير صالحة بالنسبة لحجمنا وشكلنا."
"وهؤلاء النظريون يبنون حضارات بالرغم من أنها رسمت لتحقيق خير الإنسان إلا أنها تلائم فقط صورة غير كاملة أو مهوشة للإنسان."
"يجب أن يكون الإنسان مقياسًا لكل شيء. ولكن الواقع هو عكس ذلك. فهو غريب في العالم الذي ابتدعه. إنه لم يستطع أن ينظم دنياه بنفسه لأنه لا يملك معرفة علمية بطبيعته. ومن ثم فإن التقدم الهائل الذي أحرزته علوم الجماد على علوم الحياة هو إحدى الكوارث التي عانت منها الإنسانية .. إننا قوم تعساء، لأننا ننحط أخلاقيًا وعقليًا .. الخ .. الخ .."
ونكتفي هنا بهذا القدر من المقتطفات من كتاب ألكسيس كاريل، وإن كان الكتاب كله ذا دلالة عميقة فيما نحن بصدده في هذا البحث، ذلك أن هدفنا هنا أن نبين مدى الخطأ والخطورة في أخذ مزق متفرقة من الإنسان على أنها هي"الإنسان". كما نبين ضرورة أخذ الإنسان ككل، وجعله -في صورته المتكاملة- مقياسًا لكل شيء يتعلق بالإنسان.
وحين ننظر في اتجاهات علم النفس الغربي ندرك على الفور كيف أدى هذه النظرة الجزئية إلى كثير من الاختلالات في تصور"الإنسان"، وكيف ضيّعت فرصة الاستفادة من الحقائق الجزئية التي توصل إليها العلماء ..
فحين أدلى فرويد بنظريته في"العقل الباطن"وعالم"اللاشعور"كان ذلك كشفًا له قيمته ولا شك في محاولة تفهم النفس الإنسان والاهتداء إلى بعض أغوارها التي يكتنفها الظلام .. ولكن النظرة الجزئية -التي تصر في ذات الوقت على اعتبار أن الجزء الذي تهتدي إليه هو"الإنسان"- هذه النظرية الجزئية أدت بفرويد إلى تصوير خاطئ خطر للنفس الإنسانية؛ إذ صورها على أساس أن اللاشعور -أو العقل الباطن- هو"الإنسان الحقيقي".. وأن العقل الواعي هو إنسان مزوّر لا يمت بسبب إلى الحقيقة! إنسان مفروض على"الإنسان الحقيقي"من خارج نفسه وخارج كيانه! إنسان تتمثل فيه الموانع والكوابت التي يفرضها المجتمع أو القوى الخارجية -من دين وأخلاق وتقاليد وقوة وسلطان .. الخ- على الكيان الحقيقي للإنسان!
وكانت هذه هي البذور الخاطئة التي نبتت منها اختلالات شتى في فهم النفس الإنسانية والحياة البشرية!
فقد أغفل فرويد جملة من الحقائق النفسية"العلمية"كان قمينا أن يدركها ويعمل حسابها لولا هذا الإصرار المعيب على النظرة الجزئية للإنسان:
أغفل أولا- أن العقل الواعي جزء من بنية النفس الإنسانية كالعقل الباطن سواء. موجود في داخل كيانها وليس مفروضًا عليها من الخارج. فلا الدين والأخلاق والتقاليد، ولا المجتمع بما يملك من قوة وسلطان، ولا غيره من العوامل المادية أو المعنوية تملك أن"تنشئ"في النفس شيئا لم يكن في بنيتها من قبل [1] ! وغاية ما قد تملكه هذه العوامل والقوى أن"تشكل"هذا الشيء الموجود بالفعل، ولكنها لا تنشئه إنشاء ما لم يكن موجودًا في الفطرة من قبل.
(1) أقر فرويد -دون شك- بأن النفس الواعية أي الذات، والذات العليا، ego & super ego موجودتان في النفس كجزء منها. ولكنه أصر على أنهما ينشآن من ضغط العوامل الخارجية! ولم يعترف بشيء موجود في النفس وجودا فطريا إلا الذات السفلى id التي هي القوة المحركة للإنسان -وهي غير واعية! راجع كتابه: ( The Ego & the Id) .