وأغفل ثانيًا أن المجتمع والميل إليه والخضوع له كلها حقائق نابعة من داخل النفس وليس مفروضة عليها من خارجها! فالرغبة في الاجتماع بالآخرين هي التي تنشئ المجتمع، وهي التي تجعل الإنسان يضحي -أحيانًا- ببعض رغباته وملذاته الفردية في سبيل الوجود في مجتمع. وهي رغبة فطرية موجودة في داخل النفس، ولا تملك قوة في الأرض أن تنشئها إنشاء -بمجرد الضغط- لو لم تكن موجودة بالفعل. ومن ثم فإنه على فرض أن العقل الواعي يتكون من ضغط المجتمع الخارجي -وهو أمر غير مسلّم! - فإنه ينبع في النهاية من جزء فطري في داخل النفس، هو الرغبة في الاجتماع بالآخرين!
وأغفل ثالثًا أن الموانع -أو حتى الكوابت كما يسميها! - التي تنشئ القيم العليا، ليست جزءًا خارجًا عن كيان الإنسان مفروضة عليه من الخارج بالضغط والقهر. فلولا وجود الاستعداد الفطري في النفس لتقبل هذه الموانع من جهة، وإنشاء القيم العليا على أساسها من جهة أخرى، لما أدى الضغط الخارجي إلى إنشائها البتة، مهما اشتد وطغى، لأنه ليس من طبيعة الضغط ولا في طاقته أن ينشئ شيئًا لا وجود له من قبل!
ومن هنا أعطى فرويد صورة مزورة للنفس الإنسانية، خلاصتها أن"الكيان الحقيقي للإنسان"هو الطاقة البهيمية البحتة، وأن كل تعديل لهذه الطاقة أو تشكيل أو تهذيب، ليس داخلا في هذا الكيان"الحقيقي!"وإنما هو مفروض عليه من الخارج من لدن قوى عدوانية لا همّ لها إلا تحطيم"الكيان الحقيقي للإنسان"!
ومرة أخرى حين كشف فرويد عمق الدافع الجنسي في الكيان البشري، وتشعب أطرافه وامتدادها، كان هذا كشفًا حيويًا ولا شك، قمينا أن يزيدنا علمًا بأغوار النفس البشرية، لولا إصراره على النظرة الجزئية التي تصر على"تفسير"الكل الإنساني"بالجزء الذي تسلط عليه الأنوار."
فلم يكتف بما فعله في المرحلة السابقة من تفسير الإنسان على أساس حيواني بحت، وإقصاء كل عنصر"إنساني"في كيانه، بحجة أنه مفروض عليه من خارج نفسه، وليس أصيلا في كيانه الحقيقي! بل زاد على ذلك أن أعطى هذا الكيان الحيواني لونًا جنسيًا صارخا، فلم يتركه حتى كالحيوان الحقيقي يأكل بلذة الأكل، ويشرب بلذة الشرب، ويجري بلذة الجري، ويصارع بدافع الصراع .. ثم يؤدي نشاطه الجنسي بلذة الجنس .. وإنما جعله يأكل ويشرب ويتحرك ويصارع، كل ذلك بلذة الجنس .. بالإضافة إلى النشاط الجنسي المتعارف على أنه نشاط جنسي!! فصار الطفل يرضع بلذة جنسية، ويتبول ويتبرز بلذة جنسية، ويحس نحو أمه بدافع جنسي .. إلى آخر هذا الخلط الدنس الذي لا يقوم عليه دليل.
ومن ثم ضاع الكشفان الأول والثاني في غمار هذه اللوثة المنحرفة النابعة من النظرة الجزئية الخاطئة، وقد كانا جديرين -في ظل النظرة المتكاملة للإنسان- أن يؤتيا ثمارا أطيب وأصدق مما وصل إليه فرويد بنظرته الجزئية المبتسرة التي تصر على تلويث"الكيان الحقيقي للإنسان"!
وحين راح تلميذاه أدار وبونج يحاولان تخفيف انحراف أستاذهما وشرهه الجنسي، بوضع"قاعدة"أخرى للحياة الإنسانية غير قاعدة الجنس، فقال أدار إن الدافع الجيوي للفرد هو شعوره بالتفوق في ناحية معينة إزاء الجماعة، وقال بونج إن هذا الدافع هو الشعور بالنقص ومحاولة التعويض .. كان كلاهما يضع إصبعه على حقيقة جزئية في النفس الإنسانية، قمينة بأن تفيد في إلقاء بعض الضوء على أغوارها البعيدة، ولكن كلتا الحقيقتين ضاعت ولم تؤت أكلها، لأنهما أصرا على تفسير"النفس"كلها بهذه الجزئية الصغيرة التي لا تفسر وحدها شيئًا في حقيقة الأمر!