وحين راحت المدرسة التجريبية تضع النفس الإنسانية في المعمل .. كانت تصل ولا شك إلى بعض الحقائق الجزئية النافعة. ولكنها أفسدت هذه الحقائق وأذهبت قيمتها بالإصرار على تفسير النفس كلها بهذه الجزئيات، في حين أنها ليست فقط عاجزة عن تفسير الكل الإنساني المعقد لأنها جزئيات، بل هي كذلك أبعد الجزئيات جميعًا عن تفسير النفس الإنسانية، بسبب أن الطريقة التجريبية ذاتها لا تستطيع أن تأخذ من النفس إلا جانبها"الجسدي"الذي تستطيع أن تقيسه بالمقاييس المادية وتدركه بالحواس، وتقف عاجزة عجزًا تامًا عن الوصول إلى أي شيء في النفس لا يقع في دائرة الآلات والحواس! ومن ثم تقف عاجزة في الحقيقة عن كل الكيان الأعلى في نفس الإنسان! فقد تستطيع أن تقيس"التعب"أو"النشاط"الجثماني وتأثير الغدد في مشاعر الإنسان وحالته النفسية، ولكن كيف تقيس إحساس الإنسان بالحق والعدل والجمال، وكيف تقيس إبداعه الفكري ونشاطه الروحي الطليق [1] ؟!
وحين راحت المدرسة السلوكية تفسر الإنسان على أنه مجموعة من العادات، وردود الفعل الشرطية المنعكسة conditioned reflexes التي تنميها البيئة (أو لا تنميها) ، والتي لا يختلف بعضها عن بعض إلا باختلاف المؤثر .. لم تكن في الحقيقة تفسر"الإنسان"بقدر ما كانت تفسر"الحيوان"، ثم تحيل الإنسان على ما تتصوره من سلوك الحيوان، فترد السلوك كله إلى أسباب"فسيولوجية" (أي جسدية) ، وترد"التعلم"إلى الأفعال وردود الأفعال ذات الطابع الحسي البحت .. وتضيق"مساحة"الإنسان بذلك إلى درجة مزرية، فلا فكر ولا إرادة ولا مثل ولا قيم عليا ولا مشاعر رفيعة .. وإنما هي الحيوانية الحسية وفي أضيق نطاق!
وحين راحت المدرسة الميكانيكية تشبّه الحياة كلها -بما فيها الحياة الإنسانية- بالجهاز الآلي، المحكوم بضرورات الآلة، والذي تفسر نشاطه كله قوانين الطبيعة والكيمياء .. لم تكن تكتفي بتجريد الإنسان من إنسانيته، ولا تكتفي حتى برده إلى صورة حيوانية محدود النطاق .. إنما كانت تهبط به إلى درك أسفل .. هو أن يصبح مجرد آلة تحكمه ضرورات الآلة .. وتنتفي عنه بطبيعة الحال كل إرادة موجّهة -إنسانية أو حتى حيوانية! - وتنتفي عنه، بصورة أبشع، كل رفرفة طليقة وكل شعور نبيل! كما تصبح كل تنظيماته الفكرية والروحية والمادية والاقتصادية والاجتماعية، أدنى حتى من تنظيمات الغريزة في خلية النحل أو بيت النمل، فقد صارت أجزاء من الآلة الكبرى .. الصماء الخرساء .. المحكومة بالضرورات!
وهكذا جرت معظم مدارس علم النفس الغربية في هذا الخلط المعيب بسبب نظرتها الجزئية وإصرارها على أن تفسر الكل الإنساني بالجزء الذي تهتدي إليه، فلا يقف خطؤها عند إعطاء صورة مشوهة مزورة للإنسان، بل تضيّع كذلك فرصة الاستفادة من الحقائق الجزئية في مكانها الصحيح. ويزيد الخطأ حين تُنشأ على أساس هذه النظرة الجزئية نظريات في الاقتصاد والاجتماع، والأخلاق والسلوك، والجريمة والعقاب .. وينتهي الأمر -كما قال ألكسيس كاريل- إلى تدمير الإنسان بسبب جهلنا المطبق بحقيقة الإنسان!
على أن هناك خطأ ثالثا تقع فيه كل المدارس الغربي. -بلا استثناء- هو دراسة النفس الإنسانية والحياة الإنسانية بمعزل عن الله!
وهذا الخطأ له في حياة الغربيين قصة .. طويلة تبلغ قرونا من الزمان!
(1) في كتاب"الإنسان بين المادية والإسلام"فصل عن التجريبيين أكثر تفصيلا لمن أراد.