فالحياة"الهيلينية" [اليونانية القديمة] التي يقدسها الغرب، ويستمد منها مفاهيمه منذ عصر النهضة، كانت حياة وثنية ذات طابع خاص، يصور العلاقة بين البشر والآلهة علاقة خصام دائم وصراع لا يفتر .. صراع وحشي في بعض الأحيان. وأسطورة بروميثيوس الشهيرة تصور لونا ذا دلالة معينة من ذلك الصراع:
"فبروميثيوس كائن أسطوري كان الإله زيوس يستخدمه في خلق الناس من الماء والطين. وقد أحس بالعطف نحو البشر، فسرق لهم النار المقدسة من السماء وأعطاها لهم. فعاقبه زيوس على ذلك بأن قيده بالسلاسل في جبال القوقاز حيث وكّل به نسر يرعى كبده طول النهار وتتجدد الكبد في أثناء الليل، ليتجدد عذابه في النهار. ولكي ينتقم زيوس من وجود النار المقدسة بين أيدي البشر أرسل إليهم"باندورا"-أول كائن أنثى على وجه الأرض- ومعها صندوق يشتمل على كافة أنواع الشرور ليدمر الجنس البشري!! فلما تزوجها إبيميثيوس -أخو بروميثيوس- وتقبل منها هدية"الإله!"فتح الصندوق فانتثرت الشرور وملأت وجه الأرض!!"
"تلك طبيعة العلاقة بين البشر والله! النار المقدسة، نار"المعرفة"قد استولى عليها البشر سرقة واغتصابا من الآلهة، ليعروا أسرار الكون والحياة، ويصبحوا آلهة! والآلهة تنتقم منهم في وحشية وعنف، لتنفرد وحدها بالقوة، وتنرد دونهم بالسلطان! ..." [1] .
ولقد دخلت أوربا في المسيحية في القرون الوسطى، فاختفت"الهيلينية"أو"الهيلنستية" [2] مؤقتا تحت قشرة رقيقة من المسيحية، ما لبثت أن انزاحت في عصر النهضة، فعادت أوربا إلى وثنيتها القديمة كاملة، بنفس الروح التي تشعر بالصراع مع الله (الآلهة) أكثر مما نحس نحوه بالمودة والتطلع والرجاء ..
وزاد الأمر سوءا أن الكنيسة كانت -قبل انصراف الناس عنها في عصرها الأخير- قد تحولت إلى غول بشع يهدد الناس في أمنهم وراحتهم وكيانهم الإنساني ذاته .. يفرض عليهم العشور المرهقة كما يفرض عليهم الخضوع المذل لرجال الدين .. وأخيرا -وتلك كانت الطامة- يفرض عليهم معلومات"علمية"مزيفة، باسم أنها كلمة السماء! فلما أثبت العلم النظري والتجريبي فسادها راحت الكنيسة تحرّق العلماء وتعذبهم بتهمة المروق من الدين!
هذه العوامل مجتمعة أوجدت في الفكر الغربي -وفي اللاوعي كذلك- نفورا من الدين ونفورا من الله -سبحانه- ورغبة محمومة في البعد عن ذكر الله في كل مجال يتعلق بشئون"الإنسان"!!
ومن ثم لا تدرس النفس الإنسانية قط موصولة بالله خالقها ومحركها، ومودع ما فيها من طاقات!
ويدرس"العلماء"النفس الإنسانية في مجالات التأثر المختلفة .. وليس من بينها جميعها تأثير الإرادة الإلهية في حياة الإنسان!
فمرة يدرس الإنسان تحت التأثير الجغرافي والمناخي والبيئي والمادي ..
ومرة يدرس تحت التأثير الاقتصادي ..
ومرة يدرس تحت التأثير الاجتماعي ..
ولكنه لا يدرس مرة واحدة متأثرا بقدر الله الذي يقرر مصير كل شيء بما في ذلك مصير الإنسان! الإنسان في مجموعه، وكل كائن فرد من بني الإنسان.
وينشأ من ذلك خطأ فاحش، بل جملة أخطاء ..
(1) من كتاب"منهج الفن الإسلامي"ص31 - 32.
(2) اليونانية المتأخرة.