الصفحة 11 من 169

فهذه المذاهب والنظريات كلها تغفل من حسابها توجه النفس البشرية توجها فطريا إلى خالقها، واستمدادها منه مكوّنات حياتها كلها، وقوانين حركتها، ومجالات تحركها، وطاقاتها، ومدى هذه الطاقات .. كما تهمل تأثير الديانات السماوية في رسم خطوط جوهرية وحاسمة في تاريخ البشر كله. وفوق ذلك تهمل حقيقة"كونية"هي تأثر الإنسان بقدر الله"المباشر"الذي يسيّر أحداث حياته ويشكلها، كما تغفل أن التأثير الجغرافي والمادي والاقتصادي والاجتماعي .. إلخ، هي كلها إطار لقدر الله، وليست شيئا مستقلا عن إرادة الله!

وهذا الإغفال المتعمد -الذي شرحنا في إيجاز أسبابه التاريخية- يحدث تشويها وتشويشا في الصورة المرسومة"للإنسان". فتارة يرسم كأنه يقوم في هذا الكون وحده، وكأنه هو الإله في هذا الكون! [وليس هذا حقيقة علمية، فهو إنما يقوم بالاستمداد من خالقه في كل شأن من شئونه، وفي الحدود التي رسمها له خالقه! وتارة يرسم عبدا لتلك الآلهة المزعومة: آلهة الاقتصاد والاجتماع والمادة [وفي ذلك إصغار لقيمته الحقيقية] وتارة يرسم كأنما المحرك له هو الأفعال المنعكسة. أو الجنس. أو الكيماويات. أو الميكانيكية الجسمية .. وحدها .. [وفي ذلك تشويه لحقيقة الكيان الداخلي للإنسان] ، وفي جميع الحالات تنعكس تلك المفاهيم المنحرفة على الصورة المرسومة، ولا يكون الإنسان الذي ترسمه هو حقيقة"الإنسان"!

ولقد ظنت تلك المدارس الغربية أنها تستطيع أن تتجنب مجموعة الأسئلة التي صدّرنا بها هذا الفصل -أو أمثالها: ما الإنسان؟ ما وظيفته؟ ما دوره في الحياة؟ ما طاقاته؟ ما حدود هذه الطاقات؟

أو ظنت أنها ينبغي أن تتجنب هذه الأسئلة تجنبا، لكي لا"تتقيد"بشيء يقيد الوصول إلى النتيجة!

فكانت النتيجة الأخيرة -كما قال كاريل- هي الجهل المطبق بحقيقة الإنسان، وإنشاء نظم وحضارات ونظريات"علمية"من شأنها تدمير الإنسان!!

إن الدراسة الشاملة"للإنسان"لهي ضرورة أولية تسبق كل بحث تفصيلي في"النفس الإنسانية".. ومن جهة أخرى فإن هذه الدراسة الشاملة لن تعوق الدراسة التفصيلية ولن تفسد حريتها في الاستقصاء والبحث؛ بل إنها في الواقع ستنير لها الطريق، كما تنير الدراسة الشاملة لجسم الإنسان -مثلا- طريق البحث لمن يريد أن يتعمق في دراسة القلب أو غيره من الأعضاء.

وسنجد -في أثناء الدراسة التي يقوم بها هذا الكتاب- أن المعرفة الأولية بالإنسان، ووظيفته، ودوره في الحياة، وحدود طاقاته، ليست من صميم الدراسة النفسية فحسب، بل إنها كذلك هي الضمان الوحيد لعدم الوقوع في العيوب المنهجية التي وقعت فيها أبحاث الغرب. ففيها الوقاية من تجزئة الإنسان إلى مزق متفرقة تخالف الواقع المتكامل للإنسان الحقيقي الذي يعيش في الأرض. وفيها الضمان أن تؤدي الجزئيات دلالتها الحقيقية الصادقة حين توضع في مكانها الصحيح من الكيان المتكامل، فيبدو تناسق الجزئيات كما هو في حقيقته، وينتفي ما قد يبدو فيها من تعارض -في الوقت الحاضر- حين تدرس كل جزئية على حدتها، دون مراعاة للروابط التي يرتبط بها الكيان الموحد الأجزاء، وفيها الضمان للتمييز بين السوي والمنحرف من أنماط النفوس. كما أن فيها الضمان كذلك لتصور الصورة الحقيقية لمكان الإنسان في الكون ومكانته في الحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت