"وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ"
[صدق الله العظيم]
هل كان يصلح الإنسان -بالدوافع التي أشرنا إليها من قبل- لأن يكون خليفة الله؟
أو ليست هي ذاتها دوافع الحيوان؟!
الطعام والشراب والجنس والقتال .. أو ليست كلها من دوافع الحيوان؟
ويزيد عليها أنها دوافع"مفتوحة"! ففي الحيوان توجد هذه الدوافع، ولكن لها صمامها الذي يغلقها إغلاقًا غريزيا عند حد الامتلاء .. أو الحد المناسب الذي تدركه غريزة الحيوان. أما الإنسان فلم يكن في فطرته صمام الغريزة .. ويستطيع -لو أراد- أن يمضي مع هذه الدوافع إلى أكثر من حد الامتلاء، أو أكثر من الحد"المناسب"الذي تدركه -بطريقة غريزية- فطرة الحيوان ..
فهل يصلح بذلك أن يكون خليفة لله في الأرض، مكرما، مفضلا، تناط به المسئوليات الجسام؟
بل هل يصلح أصلا أن يكون كائنا حيا يكتب له الاستمرار في البقاء، ولا تدمره الدوافع العنيفة التي تدفعه بلا ضابط ولا انتهاء؟
كلا! ما هكذا تكون صنعة الخالق الحكيم! الخالق الذي خلق الإنسان فأحسن صورته:"خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ" [1] .
لا بد من صمام .. ولكنه صمام يناسب طبيعة الإنسان .. صمام يتمثل فيه ما في طبيعة الإنسان من وعي وعلم وإرادة وحرية اختيار ..
ومن ثم كانت"الضوابط"في كيان الإنسان.
الضوابط قوة فطرية تولد مع الإنسان. تولد كامنة في كيانه. ولكنها لا تظهر في مبدأ الأمر كما تظهر الدوافع .. ثم إنها في حاجة إلى مساعدة خارجية ليتم لها النماء والنضج، وإلا بقيت ضامرة لا تؤدي وظيفتها كاملة في حياة الإنسان.
وقد أغرى ذلك بعض"العلماء"فظنوا أنها ليست جزءا فطريا من كيان الإنسان. ظنوا أنها دخيلة عليه، تصنعها القوى الخارجية التي تعوّد الطفل على عملية الضبط، بالضغط أحيانا أو بالتحبيب والترغيب. ثم اختلف هذا البعض فيما بينهم -مع اتفاقهم على أنها تنشأ من العوامل الخارجية! - فحبذ بعضهم تنميتها وأقر بضرورة وجودها. ونفر منها بعضهم وود أن يحطمها!
وكان فرويد بطبيعة الحال من الفريق الآخر!
قال في كتاب"Three Contributions to the Sexual Theory"ص82 تحت عنوان"التسامي":"أما ثالث أنواع الشذوذ فإنه يحدث نتيجة عملية التسامي (!) حيث تصرّف الطاقة الشهوية الصادرة من منابع جنسية فردية، في مجالات أخرى (أي غير المجال الجنسي) وينتفع بها في هذه المجالات. وهكذا يحصل الإنسان على قوة نفسية كبيرة، من استعداد نفسي هو في ذاته خطير"!!
وفي ص 85 من نفس الكتاب يتحدث عن"التعارض القائم بين الحضارة وبين النمو الحر للطاقة الجنسية"!!
وفي كتاب"The ego & the id"ص80 يقول:"إن الأخلاق تتسم بطابع القسوة حتى في درجتها الطبيعية العادية"!!
ولكن هؤلاء وهؤلاء معا مخطئون .. فليست الضوابط قوة أجنبية عن كيان الإنسان. وهناك حقيقة بديهية ينبغي أن يدركها"العلماء"جميعا .. لأنها بديهية! هي أن الضغط الخارجي لا يمكن أبدا أن ينشئ شيئًا في كيان الإنسان، ما لم يكن هناك استعداد فطري للاستجابة إليه!
الجوع مثلا جزء من كيان الإنسان .. ولا يمكن بأي نوع من أنواع الضغط الخارجي إنشاء إنسان لا يجوع! وقد يتعود الإنسان -بالضغط الخارجي أو الذاتي- أن يمتنع عن الطعام فترة من الوقت [لأن هذا موجود في فطرته!] ولكن لا يمكن أن يمتنع البتة عن الطعام مهما اشتد الضغط عليه [لأن هذا ليس من فطرته!] .
(1) سورة التغابن [2] .