والدافع الجنسي جزء من كيان الإنسان .. ولا يمكن بأي نوع من أنواع الضغط الخارجي إيجاد إنسان سوي لا يحس بهذا الدافع [نتكلم عن الإحساس لا عن التنفيذ. فقد يوجد الإحساس ويمتنع الإنسان عن التنفيذ] وهذا الإحساس يهذّب فيتسامى ويرتفع [لأن ذلك في فطرة الإنسان] ولكنه لا يزول بالتهذيب ولا بالضغط [لأن إزالته ليست من الفطرة السوية!]
وهكذا لا يمكن أن ينشئ الضغط الخارجي شيئا غير موجود بالفعل، ولا يمكن أن يزيل إزالة تامة شيئا موجودا بالفعل. وإنما يفلح الضغط فقط حيث يوجد الاستعداد للاستجابة إليه، وبمقدار هذا الاستعداد. ويفشل حيث لا يوجد استعداد للاستجابة مهما يكن شديدا وقاسيا ومستديما ..
"فالضوابط"لا ينشئها الضغط الخارجي، ولا التوجيه والتهذيب، ولا يمكن أن تنشئها. وإنما فقط تنميها ..
والتنمية قضية أخرى غير قضية الإنشاء!
الطفل يولد عاجزا عن الحركة، ويحتاج إلى معونة خارجية ليتحرك، وخاصة حركة المشي. وإذا فقد هذه المعونة فربما ينشأ كسيحا لا يمشي مدى العمر على رجليه .. فهل معنى هذا أن المعونة الخارجية هي التي تنشئ المشي؟! كلا وإنما معناه أنها قدرة كامنة، تحتاج إلى معونة لتظهر وتشتد.
ويولد الطفل عاجزا عن الكلام. ويحتاج إلى مناغاة وملاغاة طويلة دؤوبة صابرة لكي يتعلم النطق، ويتعلم دلالة اللغة [وهي إحدى معجزات الخلق التي أشار إليها القرآن في خلقة آدم:"وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا"] ثم يأخذ في استخدام اللغة بما تعلمه من دلالتها. وإذا لم يجد هذه المعونة فقد لا ينطق أبدا [كما لا ينطق الصم الذين لم يسمعوا اللغة فلم يدركوها وبالتالي لم يستخدموها] أو قد يقتصر نطقه على عواء أبكم كعواء الحيوان. فهل معنى ذلك أن المعونة الخارجية هي التي تنشئ النطق؟! كلا! وإنما معناه أن النطق قدرة كامنة، تحتاج إلى معونة لتظهر وتشتد.
فإذا كان هذا شأن القدرات الجسدية البحتة [كالمشي] أو الحسية المعنوية [كاللغة والنطق] فهو كذلك شأن القوى الضابطة في كيان الإنسان. لا تنشأ من الضغط. ولا تنشأ من التوجيه والتهذيب. وإنما تنشأ فطرية في كيان الإنسان. والضغط أو التوجيه والتهذيب هي العوامل المساعدة لنمائها وتطورها.
يقول جوليان هكسلي -العالم الدارويني الذي أشرنا إليه من قبل- في كتابه"الإنسان في العالم الحديث":
"ولذلك فالإنسان أذكى بكثير من الحيوانات، لأن تركيب مخه أكثر مرونة ..."
"ولهذه الزيادة في المرونة نتائج أخرى سيكلوجية يتناساها رجال الفلسفة العقلية. والإنسان فريد في بعضها. ولقد أدت هذه المرونة مثلا إلى كون الإنسان هو الكائن الحي الوحيد الذي لا بد أن يتعرض للصراع النفسي."
"وفي الحقيقة أن منع النزاع بين طرق العمل المتعارضة هو ظاهرة عامة جدًا، وذات منفعة بيولوجية، وهي ليست إلا خاصية العقل البشري الذي مكن الإنسان من التخلص من هذا النزاع .."