الصفحة 79 من 169

"وعندما نصل إلى المستوى الإنساني نجد تعقيدات جديدة [أي أكثر مما يوجد في الحيوان] لأن من خصائص الإنسان كما رأينا التغلب على شدة الغريزة، وتهيئة أجهزة الاتصال التي بها يمكن أن يتصل أي نشاط للعقل سواء في دائرة المعرفة أو الحس أو الإرادة بأي نشاط آخر، وبهذا حصل الإنسان على حياة عقلية موحدة. وإن كان الباب قد فتح بهذا أيضًا لعوامل الانشقاق التي قد تقضي على الوحدة، بل وتمنع من التمتع بالحياة، لأن الجهاز العصبي كما يقول شرنجتون يشبه القمع، مدخله أوسع من مخرجه. ويشبه مدخل القمع الأعصاب المستقبلة التي توصل البواعث من أعضاء الحس إلى الجهاز العصبي المركزي، ومخرج القمع يوصل البواعث بواسطة الأعصاب الناقلة إلى العضلات ... ومع ذلك، فطبقا للآراء الحديثة، توجد أجهزة لتقليل النزاع إلى أقصى حد، وهي التي يعرفها علماء النفس بالكبت والقمع. والقمع أهم من وجهة نظرنا، وهو عبارة عن حبس أحد المؤثرين المتنازعين في ظلمات العقل الباطن [هذا الذي سماه فرويد بالكبت] . ومع ذلك فهذه الاستعارة غير تامة، لأن السجين في ظلمات العقل يمكنه أن يستمر مؤثرًا في الشخص في ضوء الوعي. وعلاوة على الاضطراب العصبي العام يضطر الإنسان إلى بعض الأفكار والأعمال. ولذلك فالقمع [الكبت في تسمية فرويد] ضار. إلا أنه قد يعتبر ضرورة بيولوجية لفض النزاع الذي لا بد من وجوده في السنين الأولى من حياة الإنسان قبل سداد الرأي المبني على العقل. ومن الخير أن يكون الإنسان قادرًا على القيام بعمل ما دون قيد، حتى ولو أدى ذلك إلى اضطراب عصبي، عن أن يكون عاجزًا عن الحركة مثل الحمار بين حزمتين من البرسيم المجفف، فإن حيرته بينهما متكافئة."

"وفي القمع لا ينفي الباعث المنهزم إلى اللاشعور فحسب، بل إن عملية النفي ذاتها لا شعورية. وإن الأجهزة التي قامت بذلك لا بد أن تكون قد تطورت لتمنع الإمكانيات الظاهرة للنزاع -وبخاصة في السنين الأولى من الحياة- ذلك النزاع الذي نشأ كنتيجة ثانوية لعقل الإنسان."

"وفي الكبت [نؤثر نحن أن نسمي هذه العملية بعملية الضبط] ينفي الباعث عن وعي، ولذلك فليس من المحتمل ظهور اضطراب عصبي. وأخيرًا عند سداد الرأي لا ينفي أحد الباعثين المتعارضين إلى اللاشعور، ولكنهما يوزنان على ضوء العقل والخبرة ثم يؤدّي العمل عن وعي" [1] .

أخذنا هذه المقتطفات المطولة شيئًا ما، لأنها تفيدنا -من رجل ملحد لا يؤمن بالله ولا بالقيم الخلقية [2] - في إثبات هذه المجموعة من الحقائق:

أولا: إن أجهزة"الضبط"سواء منها اللاشعوري أو الشعوري هي أجهزة بيولوجية تنشأ عنه أجهزة سيكلوجية. ومعنى كونها بيولوجية أنها من صميم الفطرة. فالكيان البيولوجي للإنسان فطري يولد معه، ويُوَرّثُ عن طريق البويضة الملقحة .. ولا يكتسب من عمل الظروف الخارجية!

ثانيًا: إن من خصائص الإنسان التغلب على شدة الغريزة. فهذه خاصية له. فطرية. من صميم كيانه. ليست مفروضة عليه من خارج نفسه.

ثالثًا: إن عملية الضبط تعمل لا شعوريا في سنوات الطفولة الأولى، ثم تعمل شعوريًا بعد ذلك. أي أنها تتبع نفس خط النمو الذي تتبعه جميع العمليات النفسية الأخرى وجميع القدرات.

وهذا يكفي فيما نحن بصدده من إثبات هذه الحقيقة الكبيرة، وهي أن الضوابط فطرية في كيان الإنسان!

فطرية ولكنها في حاجة إلى معونة خارجية ..

وتلك مهمة التوجيه والتهذيب .. وهي عملية ضرورية بالنسبة لحياة الإنسان.

(1) ترجمة حسن خطاب ومراجعة الدكتور عبد الحليم منتصر ص26 - ص30.

(2) في الفصل الثاني من الكتاب يدعو إلى"تحسين النسل"بانتخاب ذكور ممتازة من الإنسان لتلقيح الإناث .. دون عائق من التنظيمات الاجتماعية والأخلاقية!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت