الصفحة 80 من 169

ولكنا سنفترض أن طفلا من الأطفال لم يُرَبِّ أبدًا .. وترك هكذا"على فطرته".. فهل ينشأ بلا ضوابط؟!

كلا! .. إن الطفل يتعلم ضبط إفرازاته بمفرده بعد فترة من الوقت ولو لم يعوده على ذلك أحد. وإنما تتأخر هذه العملية فقط حين لا يوجد التوجيه.

وهكذا لو تركناه بلا توجيه فسيحدث أن تتأخر جميع الضوابط في الظهور. وأن تنمو نموًا ناقصًا ومضطربًا غير متناسق. وقد يحدث أن يبقى الكثير منها ضامرًا .. ولكن لا يحدث أبدًا أن تكون كلها غير موجودة!

يذكر فرويد أن الملل طبيعة إنسانية. وأن هذا الملل يحول دون استمرار الإنسان في عمل واحد أو اتجاه واحد إلى ما لا نهاية، ويحوّله إلى عمل جديد أو اتجاه جديد. وأن هذا الملل ينمو تدريجيًا .. فالطفل الصغير يكاد لا يمل من تكرار العمل الواحد أو اللفظ الواحد، ولكنه كلما كبر أسرع إليه الملل وطلب التغيير ..

وتلك ملاحظة صادقة، كان ينبغي أن يصل معها فرويد إلى آخر دلالتها! فالملل إذن فرملة لا إرادية تمنع الشطط في أي اتجاه! وهي تنمو تدريجيًا مع نمو الطفل .. والتوجيه والتهذيب يعملان على أن يكون منع الشطط عملية واعية، مبنية على أسس ومبادئ، ولكن حتى في حالة عدم وجود التوجيه والتهذيب فهناك"أجهزة"كما قال جوليان هكسلي تقوم بعملية الضبط ..

أجهزة من الفطرة ...

في كيان الإنسان إذن قوة ضابطة تمنع الشطط في أي دافع من الدوافع الفطرية. وهذه القوة تنحرف أحيانًا وتكف عن العمل أحيانًا .. ولا نتحدث عن ذلك هنا. إنما نتحدث حتى الآن عن الفطرة السوية.

وهي تؤدي مهمة رئيسية في حياة الإنسان.

إنها الصمام الذي لا بد منه في كيان الكائن الحي .. الصمام الذي يمنع الدمار.

إنها المقابل الواعي لعمل الغريزة في الحيوان. هي التي تحدد حد الاكتفاء.

ثم هي -في حياة الإنسان- تقوم بمهمة أخرى لا تقل في حيويتها عن تحديد حد الاكتفاء الذي يمنع الدمار.

إنها تقوم بتوجيه الطاقة الحيوية إلى مستويات أعلى وأرفع من مجرد الاستجابة المباشرة لدفعة"الغريزة".

إن قوة الإنسان قوة فائضة عن"الضرورة". وليست كقوة الحيوان على قدر الضرورة. وهذا الفائض هو الذي تمنع القوة الضابطة استهلاكه في محيط الضرورة، وترفعه إلى المستوى الأعلى. تحوّله إلى عمل. إلى إنتاج. إلى إنشاء وتعمير .. وتغيير وتطوير .. أي إلى القيام بمهمة الخلافة عن الله في الأرض.

هذا الفائض هو الذي ينشئ به الإنسان الحضارات، ويكافح به في سبيل العقائد والمثل، وينتج به الإنتاج المادي، والمخترعات والمكتشفات، والفنون والعلوم .. هو مجد الإنسان في الأرض، الذي هيأه الله للإنسان. وهو ينشأ من الدوافع والضوابط معًا في حياة الإنسان!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت