الصفحة 81 من 169

الدوافع والضوابط معًا في حياة الإنسان

كما يعمل الإنسان بكيانه المتكامل في كل نشاط يصدر عنه، فكذلك تعمل الدوافع والضوابط معًا في ذات الوقت ..

ولقد يجنح الإنسان بالدوافع تارة -مفردة أو مجتمعة- أو يجنح بالضوابط تارة -مفردة أو مجتمعة- ولكنه في كل لحظة يعمل بطاقتيه جميعًا- ما دام في حالته السوية لم يطرأ على تركيبه خلل أو انحراف.

وهذا الكيان المتجمع من الدوافع والضوابط [الإرادية] هو الذي يجعل حياة الإنسان تفترق عن حياة الحيوان، الذي لا يعرف الضوابط الإرادية، ولا تشمل حياته إلا الدوافع وحدها، وضوابط الغريزة اللاإرادية التي لا تبقي فائضًا من النشاط تدخره لشيء من الإنتاج والإبداع. كما تفترق حياته عن حياة الملَك، الذي لا يعرف الدوافع البشرية أو الحيوانية، وليس في كيانه وقود مشتعل من الرغبات يؤزه ويدفعه إلى أي عمل أو إنتاج، سوى العبادة المفطورة نفوسهم عليها، بمعناها الملائكي:"يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ" [1] .

وهذا الكيان المتجمع من الدوافع والضوابط معًا هو الذي يسمح بوجود"غاية"للحياة الإنسانية .. غاية واعية مدركة تشمل كل دافع على حدة، والدوافع كلها مجتمعة [بل الغاية الواعية المدركة هي ذاتها لون من الضوابط يضع حدًا للاندفاع وراء الدوافع أو الشهوات] وهو الذي يجعل"حب الحياة"عند الإنسان يتبدى في ألوان وأشكال تختلف عن حب الكائنات الأخرى للحياة.

حفظ الذات هدف لكل كائن حي .. يؤديه بدافع الغريزة .. ولكن الإنسان يضيف إليه الوعي والإدراك، فيصبح شيئًا آخر غير حفظ الحيوان لذاته. يختلف عنه في الطريقة وفي الهدف سواء.

فالحيوان يأكل ويشرب، ويتقي البرد والحر، ويتخذ المأوى، ويقاتل ويحب الغلبة والبروز ..

فأي فرق هائل بين هذا وذاك .. ؟!

لذعة الجوع تدفع الحيوان للطعام. فيتجه توًا إليه. ويأكل أنواعًا معينة من الطعام لا يغيرها [وهو لم يخترها لنفسه اختيارً حرًا] ويأكل حتى تقرر له الغريزة حد الاكتفاء فيكف عن الطعام. ويأكل بطريقة واحدة لا يغيرها، وهي طريقة مكرورة في كل فرد مع فروق فردية بسيطة لا تبلغ أن تكون اختلافًا في"السلوك".

ولذعة الجوع تدفع الإنسان إلى الطعام .. وربما مرت على البشرية عصور كانت فيها أقرب إلى الحيوان في السلوك، ولكنها لم تكن قط كالحيوان!

وأول اختلاف -منذ البدء- كان في سعة المجال الذي يختار منه الإنسان طعامه:"وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا" [2] . وقابليته لهذا التنوع في الطعام. وذلك تناسق عجيب في الفطرة. فكل شيء في حياة الإنسان متعدد متنوع. حتى الماديات. حتى الضرورات. وليست المشاعر وحدها ولا الأفكار!

والاختلاف الثاني أنه هو الذي يحدد لنفسه حد الاكتفاء .. فلا يوجد ضابط غريزي يجعله يتوقف. وفي مكانه يوجد ضابط مدرك واع مريد متصرف. يستطيع أن يحدد مكان التوقف ابتداء من نقطة الصفر [لفترة من الوقت على الأقل] إلى ما بعد حد الاكتفاء المعقول [وهو الإسراف الذي لا يقدر عليه إلا الإنسان!] .

والاختلاف الثالث أنه لم يكتف بتناول الطعام على حالته الخامة التي وجده عليها، بل أخذ يتدخل بالصنعة في إعداده. فما إن اكتشف النار حتى راح ينضج عليها الطعام، ثم فتحت له النار أبوابًا لا نهاية لها من فنون الطعام، من بسيطة ومركبة، جعلت في استطاعته أن يستحدث طعومًا جديدة للأشياء وطعومًا متنوعة. وكان هذا استجابة لما في فطرته من التجدد والتنوع، وهو طابع عام للإنسان يشمل كل شيء في حياته ولا يقتصر على الطعام.

(1) سورة الأنبياء [20] .

(2) سورة البقرة [35] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت