الصفحة 82 من 169

والاختلاف الرابع أنه لم يتخذ سلوكًا واحدًا نحوه. فليس يختلف فرد عن فرد في سلوكه نحو الطعام فحسب، بل يختلف الفرد الواحد ما بين مرة ومرة، وبين حالة وحالة .. فهو تارة معجل يأكل طعامه نهشًا وتارة مستأن يأكل على مهل وروية. وتارة يتأنق فيه تأنقًا، فيأكل بأدوات أنيقة وصحاف مزخرفة، وعلى مائدة منسقة، بعد عناية زائدة بالغسل والإعداد وطريقة التقديم .. الخ حتى يصبح ذلك"فنًا"تؤلف فيه المؤلفات ويتعلمه الناس ..

والاختلاف الخامس أنه جعل له هدفًا .. ثم لم يجعله هدفًا واحدًا، وإنما اختلف الناس في هدفهم من الطعام. فبعضهم يأكل للضرورة. لحفظ الحياة. يأكل ليعيش. وبعضهم يجعل الطعام هدفًا في ذاته فيعيش ليأكل. وبعضهم يأكل لسد الجوعة وبعضهم للتلذذ من كل أصناف الطعام .. وقد تختلط هذه الأهداف .. وقد يتنقل الفرد الواحد من حالة إلى حالة .. فقد يأكل لحفظ الحياة فقط ولكنه يتلذذ بما يأكل. وقد يجعل الطعام هدفًا في ذاته، ولكنه لنهمه وبطنته يلتهم الأكل التهامًا فتفوته لذة التذوق والتفنن في الإعداد أو التقديم أو التناول ... ثم يختلف الهدف مرة أخرى: هل هو اللذة الفردية الأنانية فيأكل وحده، ويبخل بطعامه على الناس، ويذودهم عنه. أم لذة جماعية. فيأكل مع الآخرين، ويجود بالطعام على الناس ويدعوهم إليه، ويجعل لهم حقًا فيه .. الخ ثم يختلف مرة أخرى: هل يتحرى فيه"النظافة"الحسية والمعنوية. نظافة المأخذ، فلا يأكل إلا النظيف والطيب والحلال، أم لا يبالي بالنظافة فيأكل القذر من الطعام حسًا ومعنى، فيبذل فيه كرامته، أو يغتصب ويسرق وينهب ويأكل المأكل الحرام؟

والاختلاف السادس أنه لا يحس بالقهر الكامل إزاءه. حقيقة إنه لا بد أن يستجيب في النهاية. فقد شاءت الحكمة العليا -التي جعلت الطعام ضرورة لحفظ الكيان- أن تجعل دافعيه من اللذة والألم، من الشدة والإلحاح بحيث يستحيل على الإنسان ألا يستجيب. ولكن هناك"مسافة"زمنية وشعورية وسلوكية بين الدفعة والاستجابة. مسافة تطول أو تقصر. ولكنها تمثل الاختيار الحر الذي هو سمة الإنسان. وصحيح أن الحرية في الاختيار هنا محدودة. فالإنسان لم توهب له الحرية المطلقة. التي لا تتمثل إلا في ذات الخالق وحده. وإنما وُهِبَ له قدر من الحرية، بمقدار ما تطيق قبضة الطين من نفخة الروح. ولكن هذا القدر قد ميزه لتوه عن الحيوان. وجعله حرًا نسبيًا في اختيار سلوكه واختيار موقفه من الدافع الملح الذي لا بد من إطاعته في نهاية المطاف. ومن ثم يملك الإنسان أن يستجيب في الحال -بإرادته- أو يستجيب بعد فترة من الوقت. وأن ينظم مواعيد طعامه بحريته. وأن يمتنع عن أنواع معينة ويقبل على أخرى. وأن يصوم فترة من الوقت إذا أراد ..

كل تلك الفروق بين استجابة الإنسان لدافع الطعام واستجابة الحيوان، قد ميّزته عنه منذ اللحظة الأولى، وجعلت تاريخه -منذ اللحظة الأولى كذلك- أوسع من البحث عن الطعام!!

إن التفسير المادي للتاريخ الذي يزعم أن تاريخ البشرية هو تاريخ البحث عن الطعام تفسير جاهل أو مغالط .. يرى الحقائق ثم يغضي عنها لشهوة مذهبية، تريد أن تلوي الحقائق ليًّا لتؤدي إلى هدف معين موضوع قبل المقدمات!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت