فعلى فرض أن البحث عن الطعام هو تاريخ البشرية [وهذه مغالطة مكشوفة لأنها -بصرف النظر عن"القيم"كلها- تغفل دافع الجنس ومدى تدخله في تاريخ البشرية، على الأٌقل بإنتاج نسل يتكون منه"المجتمع"، وما يقتضيه هذا المجتمع من تنظيمات سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية وروحية .. إلخ] فقد دخلت في هذا البحث عناصر أخرى لم تجعله بحثًا خالصًا عن الطام .. إنما جعلته -إلى جانب ذلك- بحثا عن القيم! هل يتعاون الناس في البحث عن الطعام أم يتقاتلون ويتنازعون؟ هل يأخذ كل إنسان كفايته وحدها أم يتاح له أن يخزن ما يزيد على حاجته؟ هل يملك الطعام ملكية فردية أم ملكية جماعية؟ وهل يوزع بالتساوي أم يحسب الحاجة؟ وما مقياس الحاجة؟
كل هذه قيم .. اقتصادية واجتماعية وسياسية وفكرية وروحية .. نشأت في أثناء هذا البحث عن الطعام -على زعم أنه البحث الأوحد الذي قام به الإنسان [وليس ذلك حقيقة!] - ومن ثم لم يعد البحث عن الطعام هو وحده الذي يكتب تاريخ البشرية [حتى لو كان هو الدافع الأوحد!] وإنما صارت هذه القيم كلها مجتمعة هي التي تكتب تاريخ البشرية. وكان هذا نتيجة طبيعية -وحتمية- لتعدد جوانب الإنسان وتداخل مساربه وطاقاته ومكوّناته، وعدم انفراد أي جانب منها أو طاقة بالعمل في لحظة من اللحظات .. ومن ثم يصبح"الإنسان"بكامله هو الذي يكتب تاريخ الإنسان!
وتلك بديهية لم يكن ينبغي أن"يتعب"في فهمها هواه التفسير المادي للتاريخ!
والحيوان يتقي البرد والحر بطريقته الغريزية التي وهبها له الله. فبعضه -بلا وعي ولا إرادة- ينتف شعره إذا جاء الحر، وينمو له فرو دفئ إذا جاء البرد. وبعضه يبيت بياتًا شتويًا لا يتحرك فيه البتة لكي لا يستهلك كيانه في البرد. وبعضه يأوي إلى الكهوف. وبعضه ينتقل من ماء إلى ماء مختلف في الحرارة .. الخ.
كل نوع بطريقته .. لا إرادة له فيها ولا اختيار ولا تنوع بين الأفراد.
والإنسان يتقي البرد والحر بوسائل شتى واسعة النطاق .. تبدأ باتخاذ الملابس وتنتهي -اليوم- بتكييف الهواء في الأماكن المحدودة .. وقد تنتهي غدًا بتكييف الهواء في الأجواء!
وكلها تتمثل فيها الصفات الستة التي تمثلت من قبل في الطعام.
فهناك أولا: سعة المجال وتعدد الطرائق.
وهناك ثانيًا: أن الإنسان هو الذي يحدد بنفسه حد الاكتفاء. ما بين العري أو ما يشبه العري، وتكديس الملابس بعضها فوق بعض طبقات!
وهناك ثالثًا: أنه لا يأخذ الأمور على حالتها الخامة إنما يصنعها .. سواء في الملابس أو الأدوات والأشياء.
وهناك رابعًا: أنه يختلف في سلوكه نحوها بين الأناقة المفرطة وعدم المبالاة.
وهناك خامسًا: وجود هدف ثم اختلاف هذا الهدف بين فرد وفرد، واختلافه في الفرد الواحد بين حالة وحالة.
وهناك سادسًا: أنه لا يحس بالقهر الكامل إزاء الضرورة. فهو يملك -بِقَدَر- أن يستجيب أو لا يستجيب، وأن يختار طريقة الاستجابة وينظمها.
وتلك كلها صفات"الإنسان"التي تلازمه في كل ما يفعل، وتميز نشاطه عن نشاط الحيوان.
والحيوان يتخذ المأوى .. بصورة غريزية مكرورة ولا اختيار فيها ..