والإنسان يتخذ المأوى .. على نفس النسق"الإنساني"ذي الصفات الست التي تسم كل نشاط الإنسان. فتتعدد الطرائق من الكوخ إلى القصر إلى الحصن إلى ناطحات السحاب [وقد توجد جميعًا في بلد واحد وفي زمن واحد!] ويحدد الإنسان بنفسه حد الاكتفاء. فهذا يكفيه الكوخ، وذلك لا يكفيه القصر! ولا يأخذ الأمور على حالتها الخامة التي وجدها عليها [وهي الكهوف بادئ ذي بدء] وإنما يصنع لنفسه ما يريد منها وما تمكنه إمكانياته المادية والعقلية والآلية من صنعه. ويختلف سلوكه نحوها بين الاكتفاء بالمطالب"العملية"أو التأنق والتفنن. وأن هناك هدفا واعيا، يختلف من فرد إلى فرد. وأنه لا يحس بالقهر الكامل إزاء الضرورة. فيبيت في العراء إذا شاء ويلزم المأوى إذا شاء.
وفي كل ذلك يعمل بكيانه المتكامل المجتمع المترابط لا بجزء واحد من الأجزاء.
والحيوان يقاتل .. مدفوعا إلى ذلك دفعا بصورة لا يمكن اتقاؤها. ويقاتل بطريقة واحدة مكرورة في كل فرد من كل نوع. ثم يقاتل لغير هدف واع في حس الحيوان. حتى لو قاتل دفاعا عن النفس أو دفاعا عن الصغار، أو دفاعا عن"المجموع"فهو لا يفكر في شيء من ذلك. وإنما يترك حركة غريزية لا تتدبر الوسائل ولا الأهداف!
والإنسان يقاتل .. فيختلف عن الحيوان تلك الاختلافات الست التي ذكرناها من قبل.
ففنون القتال .. ما أوسعها في عالم الإنسان! من أول الصخرة المسنونة وقطعة الحجر الثقيلة والرمح والسهم إلى القنبلة الذرية والصاروخ وأشعة النوم وقنابل المكروب!
ثم الإنسان هو الذي يحدد لنفسه حد الاكتفاء من أول الصفر إلى ما بعد المدى"المعقول"! فيجنح إلى السلم إذا أراد .. وهذا ما لا تعرفه صنوف الحيوان! ويتجاوز المدى إذا أراد فيفجر ويغدر ويمعن في القتل والتعذيب شفاء لغليل لا يعرفه كذلك الحيوان!
وهو لم يأخذ القتال على حالته الخامة! من القتال البدني المباشر على طريقة الحيوان. وإنما"صنع"أدوات القتال وفنونه، ووضع خططه وعدل فيها وأضاف عليها .. حتى لكأن صناعته الأولى هي الحرب!!
واختلف سلوكه فيها بين التنظيم وعدم التنظيم، وقوة"التكتيك"وضعفه .. الخ.
وجعل له هدفا واعيا .. واختلف بعد ذلك في الأهداف. فمن صراع شخصي على الغلبة. إلى نزاع على الممتلكات. إلى رغبة في التوسع والمجد الشخصي. إلى صراع على عقيدة. إلى قتال لضرورة العيش .. الخ الخ.
ثم إنه لا يحس بالقهر الكامل إزاءه كما يحس الحيوان. فحيثما تلاقى نوعان متقاتلان من الحيوان فلا محل لشيء سوى القتال .. حتى يفر أحدهما أو يموت أو يثخن بالجراح. ولكن الإنسان لا يحس بدافع القتال على هذا النحو القهري. فهو يختار أن يقاتل أو يجنح إلى السلم. ويختار موعد القتال وطرائقه. ويختار أن يثبت فيه أو ينهزم .. حسب الظروف والأحوال.
ويصبح القتال بذلك هو قتال الإنسان لا قتال الحيوان!
وينزع الحيوان إلى التميز والبروز .. بعضه على الأقل! ولكن بطريقة واحدة وهدف واحد على مدار العصور.
فهو إما أن يبرز لقيادة القطيع. أو يبرز للحصول على أنثاه. أو يبرز للاستئثار بالطعام أو المأوى ..
وفي كل مرة يتخذ سلوكا واحدا وقواعد ثابتة ..
فالحيوانات ذات القيادة المنظمة كقطيع الغزلان والبقر الوحشي والقرود .. الخ تتصارع حتى يبرز الأقوى جسما وحجما فيتولى قيادة القطيع، ولا يعود ينازعه أحد حتى يهرم ويشيخ فتثور المعركة من جديد.
وحين يبرز الذكر للحصول على أنثاه فهو يأتي حركات معينة محدودة مكرورة .. ثم يقوم النزاع بين الذكور -في الغالب- حتى يظفر أحد الذكور .. وتتنحى الأخرى أو تموت في الصراع.
وحين يتقاتل حيوان مع حيوان على الطعام أو المأوى فهما يستخدمان بطبيعة الحال الجسد والعضلات!