وفي كل مرة لا يكون السلوك إراديا، ولا الهدف واعيا في كيان الحيوان.
أما الإنسان فينزع إلى التميز والبروز بطرائق شتى وأحوال شتى وأهداف لا حصر لها ولا حدود!
فمرة يبرز بعضلات جسمه واكتمال قوامه.
ومرة يبرز بقوة فكرة وعبقرية ذهنه.
ومرة يبرز بقوة أخلاقه.
ومرة يبرز بقوته الروحية ومقدار تأثيرها على الآخرين.
ومرة يبرز بجاذبية شخصيته .. أو جمال قسماته ..
ومرة يبرز بأناقة ملبسه.
ومرة يبرز بخبثه ومكره ودهائه.
ومرة -في حالات الشذوذ والانحراف- يبرز بالعدوان والبطش والإجرام.
ويبرز في مجالات شتى ولأهداف شتى .. في مجال القيادة ومجال الجنس ومجال النزاع على الطعام والمأوى .. ومجال العلم ومجال الفن ومجال الخير [ومجال الشر!] ويبرز ليثبت ذاته فحسب. أو ليثبت ذاته ويحطم الآخرين. أو ليثبت ذاته بتحطيم الآخرين!
ويبرز بروزًا"معقولا"أو بروزًا مسرفا يتجاوز الحد [أو ينزوي في حالات المرض النفسي والشذوذ] .
ويبرو بروزًا جادًا، لأهداف جادة، أو بروزًا لاهيًا عابثا غير جاد [كما يبرز بالأناقة المسرفة في الملبس أو الزينة أو التميع والرقاعة- ذكرًا أو أنثى] !
وهكذا وهكذا .. ألوان من البروز وأشكال.
وحب البروز دافع ضخم جدًا في حياة الإنسان. دافع يشتبك بالدوافع كلها ويخدمها، وفي الوقت ذاته يلونها بلونه ويعطيها من طبيعته ..
وإلى حد ما كان أدلر ويونج محقين في إبراز هذا الدافع واعتباره مسيطرًا في الحياة. ولكن خطأهما -كخطأ كل نظرية جزئية- أنهما يُؤخذان بقوة أحد الدوافع فيلغيان كل شيء سواه.
وهذا إسراف معيب يفقد الحقائق الجزئية التي يصل إليها"العلماء"دلالتها الحقيقية .. ويفسد الصورة التي يرسمون بها الإنسان.
والحقيقة أن حب البروز دافع قوي عميق. وله مهمة خطيرة في حياة الإنسان. فإعجاب الإنسان بذاته وتفضيله لكيانه، ورغبته في إبرازه، هو الذي يجعله -مع الدوافع الأخرى- ينشط ويعمل وينتج ويكافح، ويتحمل المشقة والأذى في سبيل الوصول إلى هدفه المنشود.
وهو ككل دافع بشري يحتاج إلى تهذيب لكي لا ينحرف عن نطاقه السوي. ولكن المهم أن له هدفًا وغاية وضرورة في حياة الإنسان. بحيث يصبح الإنسان الذي ضعف فيه هذا الدافع منحرفًا ومريض الكيان. ثم إنه كذلك -في حالته السوية- يأخذ صورة الإنسان وسمات الإنسان، التي تفترق افتراقًا أساسيًا عن سمات الحيوان.
تلك كلها دوافع تتصل بحفظ الذات يشترك فيها الإنسان والحيوان. ويتميز فيها الإنسان عن الحيوان.
ثم يبقى للإنسان دافع ضخم هو حب التملك .. لا يشاركه فيه الحيوان. أو على الأقل لا يشاركه في كل صوره وحالاته.
بعض الحيوانات"تمتلك"إناثها فلا تقبل عدوان الذكور الآخرين عليها.
وبعضها يمتلك مأواه فلا يقبل دخيلا عليه.
وهي تتقاتل على ملكية الطعام [ولكنها لا تدخره على طريقة الإنسان] .
وبعضها القليل جدًا يدخر .. كالنمل والنحل ..
أما الإنسان فيمارس الملكية على نطاق واسع جدًا لا مثيل له في الكائنات.
فهو يمتلك الأرض. ويمتلك ما تنتجه الأرض من زرع وخامات. ويمتلك أحيانًا الناس الموجودين على الأرض. ويمتلك المأوى. ويمتلك الأوطان. ويمتلك النساء والبنين. ويمتلك الذهب والفضة .. كل ما على الأرض وكل من عليها قابل للتملك في نظر الإنسان.
والملك رغبة عنيفة جدًا في حس الإنسان. فهو يجد لذة كبرى في أن يمتلك. سواء كان الملك حسيًا أو معنويًا .. أرضا وأناسيّ وحيوانات ومعادن .. إلخ أو علمًا وأفكارًا وقوة وسيطرة .. إلخ. كما يجد ألمًا عنيفًا في الحرمان، سواء كان حسيًا أو معنويًا .. حرمانًا من الأرض والمال والناس، أو حرمانًا من القوة والعلم والسلطان .. إلخ ..