الصفحة 86 من 169

وقد أرادت الشيوعية -لشهوة مذهبية- أن تجادل جدالا عنيفًا في أن حب الملكية الفردية نزعة فطرية. وزعمت أن التطورات الاقتصادية والمادية هي التي علمت الإنسان حب الملكية الفردية أو أنشأته إنشاء في نفسه، ولم يكن موجودًا يوم كانت الملكية شائعة وكل إنسان يأخذ بقدر حاجته.

وقد ناقشت أمر الملكية الفردية في كتاب"شبهات حول الإسلام"في فصل"الإسلام والملكية الفردية"وقلت إنه مع التسليم بهذا الفرض النظري وهو أنه قد أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن الأفراد يملكون ملكية فردية .. فمعنى ذلك أن الرغبة"الكامنة"في التملك لم تكن تجد ما يثيرها في تلك الفترة. ولكن في اللحظة التي وجد فيها المثير [وهو اكتشاف الزراعة فيما تزعم المادية الجدلية] برز حب التملك وأصبح مسيطرًا على البشرية. وقلت إنه حتى على فرض أن التملك ليس نزعة فطرية قائمة بذاتها، فإنه قد لصق منذ أدهار سحيقة بنزعة فطرية قوية وعميقة في كيان النفس وهي حب التميز والبروز. وصار التملك هو أحد وسائل التميز والبروز الأساسية في عالم الإنسان.

وأضيف هنا ما أشرت إليه من قبل، وهو أن الظروف الخارجية لا يمكن أن"تنشئ"شيئًا لا وجود له في فطرة الإنسان. إنما كل عملها أن تنمي شيئًا موجودًا بالفعل، حتى وإن كان في حالة كمون.

والملكية -ككل دافع إنساني- تأخذ صورة الإنسان وسماته .. تأخذ الصفات الإنسانية الست التي ذكرناها من قبل.

فهي واسعة النطاق جدًا: تشمل الناس والأشياء والأحياء.

والإنسان هو الذي يحدد كفايته منها.

وهو لا يأخذ الممتلكات على حالتها الخامة وإنما يصنع منها أشياء جديدة.

ويختلف سلوكه نحوها بين الشَره والاعتدال.

ويجعل لها هدفًا .. ثم تختلف أهدافه ما بين الارتفاع والهبوط.

ولا يحس بالقهر الكامل إزاءها، بل يتصرف ما بين التنازل عنها، زهدًا فيها وارتفاعًا عليها، وبين الإقبال عليها والاشتداد فيها ..

وفي كل ذلك يمارس الأمر بكيان الإنسان المتجمع المترابط المحكم الرباط.

والجنس .. طاقة عظمى من طاقات الإنسان، ودافع من أكبر دوافعه. هو الدافع الثاني في الحقيقة بعد حب الذات والمحافظة عليها. وهو يؤدي كذلك مهمة ضخمة في حياة الإنسان.

لحكمة عليا كانت طاقة الجنس .. ولحكمة عليا كانت بهذا العنف في الكيان البشري .. وبهذا الاتساع.

لقد اقتضت سنة الله في بناء الكون أن تكون بنية الكون كلها أزواجًا حتى في الجماد!

"سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ" [1] .

وقد كشف العلم الحديث عن جوانب مما كان مجهولا في بنية الكون -وما يزال أمامه أن يكشف عن كثير. وكان من بين ما كشف عنه أن بنية الذرة مكونة من كهارب موجبة وكهارب سالبة- أي أزواج متقابلة في الخلقة- وأن التفاعلات الكيميائية تتم في الكون في صورة أزواج. ففي ذرة كل عنصر نواع موجبة. [بروتون] وحلقات متوالية من الكهارب السالية [إلكترونات] كل حلقة منها مكتملة إلا الحلقة الأخيرة فهي ناقصة. ولا تتفاعل العناصر إلا مع عناصر أخرى ينتج عن امتزاجهما معها أن تكمل الحلقة الأخيرة من الإلكترونات! أي أنه يتم نوع من التزاوج في التفاعلات الكيميائية في"المادة"يشبه ما يحدث في عالم النبات والحيوان.

والإنسان قمة الحياة وخلاصة بنية الكون .. يسير على الناموس ذاته الذي يسير عليه الكون. وتتمثل فيه ظاهرة"الأزواج"بكل عمقها وكل دلالتها. فالحياة كلها بجميع مظاهرها متصلة في كيانه بالجنس .. حتى الأعماق.

ولا يذكر الجنس دون أن ذكر فرويد!

(1) سورة يس [36] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت