ولقد كان فرويد محقًا ولا شك في الإشارة إلى عمق الظاهرة الجنسية في حياة الإنسان، وتشعبها واتساع نطاقها، وتداخلها مع النشاط الحيوي كله، ومع المشاعر والأفكار.
ولكن الشطط يفسد كل الحقائق التي اهتدى إليها فرويد أو أشار إليها .. لأنه يعطي صورة مزورة عن حقيقة الإنسان. صورة لا تمثله في الحقيقة.
من البديهيات التي لا تحتاج إلى جدل أن الجنس ليس الإنسان. وإنما الجنس جزء من الإنسان!
وقد اعترف فرويد -اعترافًا عابرًا- بأن الجنس ليس هو الطاقة الأولى في كيان الإنسان. ولكنه قال إن"المدنيات"تؤمّن الإنسان على نفسه، فيطمئن على ذاته، ولا يعود مشغولا بحفظ الذات [التي هي الشاغل الأول] ومن ثم يتسع نطاق الجنس في حياته فيحتل المكان الأول [1] .
وتلك ملاحظة قيمة. ولها دلالتها. ولكنه نسيها في اندفاعه الشديد لتلويث الحياة كلها بصبغة الجنس. نسي أنه قال إن هناك عملية إحلال تصنعها المدنية التي تؤمّن الإنسان على ذاته، فيتجه اهتمامه ونشاطه إلى الجنس، بمعنى أن هذا ليس شأن الفطرة الداخلية، وإنما هو نتيجة لعارض قد يوجد في حياة الإنسان وقد لا يوجد. قد يطمئن الناس على ذواتهم فينصرفون إلى الجنس .. أو لا يطمئنون فيصبح الشاغل الأول لهم هو ذواتهم والحفاظ عليها ..
نسي كل هذا وراح يؤكد في حماسة مجنونة أن هذا هو تركيب الفطرة الأصيل! فالنفس جنسية في صميمها. مصبوغة بصبغة الجنس. وكل نشاطها الحيوي [اللبيد Libido] نشاط جنسي. حتى الطعام. حتى الشراب. حتى التبول والتبرز والإفراز. حتى الحركة العضلية. حتى التنظيم الاجتماعي. حتى الدين. حتى التفكير .. يستوي في ذلك الطفل والشاب والمسن. والمتوحش والمتمدن على مر العصور!
ولا نحتاج بطبيعة الحال إلى هذا السفه لكي نثبت حقيقة الجنس وعمقها في كيان الإنسان!
إنها حقيقة عميقة واسعة متشابكة مع الكيان كله .. ولكنها جزء من ذلك الكيان وليست كل الكيان!
أما التشابك والتداخل فظاهرة عامة في بنية النفس. ليست خاصة بالجنس حتى تقول إنها فريدة، وإنها تستدعي دراسة خاصة. وقد بينا في الخطوط المتقابلة -وسنبين هنا مرة أخرى في الدوافع والضوابط -أن كل شيء في كيان الإنسان متداخل متشابك معقد أشد التعقيد. فما بال الجنس وحده في نظر فرويد هو الذي يتسم بهذه السمة، ويستأهل الإفراد والتخصيص؟!
كلا! وما يستطيع عاقل أن ينفي أن الاهتمام الأول للإنسان هو ذاته. وأنه من خلال ذاته تصدر الاهتمامات الأخرى -ومن بينها مشاعر الجنس. ومن بينها كذك المشاعر الجماعية التي تهدف إلى التجمع والترابط مع الآخرين.
أما أن يكون الإنسان كله منبعثًا من إحدى طاقاته .. ! فتصوّر عجيب لا يخطر إلا على بال عالم من"كبار"العلماء!
الطاقة الجنسية تشتبك بكل النشاط الإنساني، ولكنها لا تلونه بلونها المفرد. ولا تصنع ذلك أية طاقة أخرى في كيان الإنسان. فلا يمكن أن يكون الدين جنسا. والنظام الاقتصادي جنسا. والطعام والشراب جنسا. وقطع الأحجار لإقامة البيوت جنسا. ومراقبة الفلك ومعرفة أسراره جنسا .. !! وكل ذلك في دائرة اللاشعور!!
(1) كتاب"Totem and Taboo".