إنما يمكن أن يقال -في اعتدال- إن حقيقة الجنس ينبثق منها التزاوج والتناسل .. فينشأ"الناس"والمجتمعات:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء" [1] فيحتاج هذا المجتمع إلى تنظيم: اجتماعي واقتصادي وسياسي .. وفكري وروحي. فتنشأ القواعد والنظم والأفكار والفلسفات .. ويحتاج الإنسان إلى إعالة بنيه الناتجين من حقيقة الجنس، فيبحث عن طعامهم وشرابهم وملبسهم ومأواهم -كما يبحث لنفسه- فيكون السعي إلى الرزق. ويكون"العمل"وتكون عمارة الأرض. ويكون"العلم"الذي يبحث به الإنسان في كنوز السماوات والأرض ويحاول معرفة أسرارها ليستطيع استغلالها .. الخ .. الخ.
ولكن ذلك كله -على أنه حقيقة مشهودة- لا يعني أن الجنس هو الحياة البشرية!! الجنس كشعور أو دافع. يدفع إلى لقاء الجنس الآخر والاتصال به ...
إنما يعني -وتلك هي الحقيقة الكبرى- أن الإنسان يمارس نشاطه الجنسي بكيانه كله لا بالطاقة الجنسية المحدودة المتخصصة. كما يمارس نشاطه كله بكيانه كله. فهو لا يبحث عن الطعام بمعدته. أو بدافع الجوع وحد. ولكن بكيانه كله. رضي أم أبى! لأنه يحتاج إلى تشغيل جسده وفكره في البحث عن الطعام. ثم يصطدم بوجود آخرين معه في الأرض يبحثون عن طعامهم، فيتعامل معهم بكلا جانبيه: الفردي والجماعي، وينشئ"قيما"من التعاون والمشاركة. وينشئ"نظما"اجتماعية واقتصادية وسياسية وروحية وفكرية .. الخ.
وهكذا .. فمن حيث بدأ الإنسان .. من دافع الجوع. أو من دافع الملك. أو من دافع البروز .. فهو في النهاية واصل إلى حيث يلقى الحياة بكيانه المجتمع، وتلقاه الحياة من خلال هذا الكيان!
والجنس -في ذلك- ليس بدعا في طاقات الإنسان ..
وفي حديثنا السابق عن الدوافع بينًا كيف تفترق دوافع الإنسان عن دوافع الحيوان.
وهنا في ميدان الجنس، سنجد الفوارق ذاتها التي يتميز بها النشاط الإنساني عن النشاط الحيواني، منطبقة بتمامها على النشاط الجنسي .. بل ربما كانت أكثر انطباقا هنا مما هي هناك!
فالغريب أن هذه الطاقة التي يبدو لأول وهلة أنها أقرب الطاقات شبها بالحيوان، هي -في صورتها الإنسانية- أشدها لصوقا"بالإنسان"وأبعدها من الحيوان!
ولم يفت فرويد -وهو يبحث في شئون الجنس هذا البحث المتخصص الذي استغرق كل حياته العملية- أن يدرك ما في النشاط الإنساني من فروق شاسعة عن نشاط الحيوان، ولكنه في حماسته المجنونة لتقرير حيوانية الإنسان لم يعجبه من نشاط الإنسان كل ما يتميز به عن نشاط الحيوان .. فسماه شذوذا [!!!] . وقد مرت بنا الفقرة التي نقلناها من كتابه"Three Contributions to the Sexual Theory"والتي قال فيها إن"التسامي"نوع من أنواع الشذوذ، تُصَرّف فيه الطاقة الشهوية الصادرة من منابع جنسية، في مجالات أخرى غير المجال الجنسي، وينتفع بها في هذه المجالات!!!
أي أنه إما أن يكون الإنسان حيوانًا .. وإما أن يكون قد أصابه الشذوذ!
وتلك نظرية"عالم"من كبار العلماء!
أول فرق بين نشاط الإنسان الجنسي ونشاط الحيوان هو امتداد موسم النشاط والإخصاب بغير حدود طيلة العام. وهذه أول سمة من سمات التحرر في بنية الإنسان الجنسية لا مثيل لها في عالم الحيوان .. حيث الموسم محدود. والرغبة لا توجد عند الذكر أو الأنثى إلا خلال الموسم وحده. وبعد ذلك يصوم الذكر والأنثى كلاهما قد يحدث تقارب ولا يحدث اتصال. بل يصومان [أو تصوم الأنثى على الأقل] في لحظة حدوث الإخصاب.
(1) سورة النساء [1] .