الصفحة 89 من 169

وقد ترتب على هذه الحقيقة أن الجنس أصبح مشاعر دائمة في نفس الإنسان. لا تتحدد بحدود الاتصال الجنسي ذاته كما يحدث في الحيوان. وإنما تسبقه وتلحقه وتلازمه .. ومن ثم أصبح الجنس في حياة الإنسان أوسع من اتصال الأجساد في ساعة من الساعات!

ومن أبرز الفروق تنوع مشاعر الجنس مع السعة الهائلة في المجال.

وقد أثبتّ من قبل فقرة في هذا الشأن من كتاب"الإنسان بين المادية والإسلام"تصلح لإثباتها مرة أخرى في هذا المجال:

"هناك الشهوة العارمة التي تتمثل في الجسد الهائج والجوارح الظامئة، والعيون التي تطل منها الرغبة الهائجة المجنونة."

"وهناك الشهوة الهادئة المتدبرة، التي تعد العدة في ترتيب وأناة، حتى تظفر بما تريد على مهل ودون استعجال."

"وهناك الأشواق الحارة الملتهبة التي تنبع من الجسد، ولكنها تمر في طريقها على القلب، فيصفيها من بعض ما بها من"العكار"، ويعطيها قسطا من"العاطفة"تمتزج بصيحة الجسد الملهوف."

"وهناك الأشواق الطائرة المرفرفة التي تنبع من القلب، ولكنها قد تمر في طريقها على الجسد، فيمنحها بعض لهيبه المحرق، وقد يخلط بها بعض العكار، ولكنها تظل محتفظة بكثير من الصفاء."

"وهنا إشراقة الروح الحالمة، قد صفّيت من العكار كله، وصارت صفاء مطلقًا لا يعرف الجسد، وإشعاعة لا تعرف القيود. تعشق الجمال خالصًا حتى من الإطار الذي يصبّ فيه!"

"وهناك ألوان أخرى لا تدركها الألأفاظ، ولا يقدر عليها التعبير!"

"وبين هذه الألوان المختلفة مئات من الأحاسيس، تشترك في الأصل، ولكنها تختلف فيما بينها أشد اختلاف".

وهذا الاتساع والتنوع في مجال الجنس مزية فريدة تفرد بها الإنسان.

والاختلاف الثاني أن الإنسان هو الذي يحدد لنفسه حد الاكتفاء. فليس هناك القيد الغريزي الذي يغلق الصمام في لحظة معينة .. وإنما هناك الحرية المفتوحة .. التي تبدأ من التوقف الكامل .. إلى ما بعد حد الاكتفاء المعقول .. أي إلى حد الإسراف!

والاختلاف الثالث أن الإنسان لم يأخذ الجنس على حالته الخامة! حالته الجسدية الخالصة التي تتلخص في حركات معينة تصل إلى الهدف بطريقة مباشرة .. فليس ذلك حال الإنسان في أي نشاط من نشاطاته ..

فكما أبى أن يأخذ الطعام على ما هو عليه .. وصنع منه ألوانًا وأشكالا وطعومًا مختلفة المذاق .. وكما صنع ذلك في الملبس والمسكن والملك .. فكذلك يصنع في الجنس. فهو يأبى أن يقف به عند خاماته الجسدية الأولى. وإنما ينشئ منه"صناعات"مختلفة واسعة النطاق.

وإذا كان قد"تفنن"في المأكل والمشرب والملبس والمسكن .. الخ فأكبر"فنونه"هي فنون الجنس!

فنون واسعة المجال جدًا: في الأدب والموسيقى والغناء والرسم والرقص والنحت .. وكل ما يخطر على البال!

وقد أغرت هذه السعة الفنية في مجال الجنس [أو السعة الجنسية في مجال الفن!] أغرت فرويد بأن يقول إن الفن كله طاقة جنسية! وليس ذلك صحيحا بطبيعة الحال. فالفن طاقة"إنسانية"شاملة .. تشمل -كما رأينا- الطعام والشراب والملبس والمسكن والملك وحب البروز .. وتشمل الجنس كذلك فيما تشمله. وإذا كان مجالها في الجنس واسعًا، فلأن الجنس طاقة واسعة. ولكن عمل الفن في دنيا الجنس هو مجرد امتداد لعمله في كل مجالات النشاط الحيوي للإنسان.

والاختلاف الرابع أن الإنسان -كما نرى من الفقرة التي نقلناها من كتاب"الإنسان بين المادية والإسلام"- لم يتخذ سلوكًا واحدًا نحوه. وإنما يختلف فرد عن فرد، كما يختلف الفرد ذاته في حالة عن حالة ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت