والاختلاف الخامس أن الإنسان قد جعل له هدفًا .. ثم اختلفت الأهداف .. فمن الناس من يراه في نطاق الضرورة ويقضيه في نطاق الضرورة. ومنهم من يجعله هم حياته الشاغل .. ومنهم من يجعله وسيلة النسل .. ومنهم من يطلب فيه السكن النفسي والهدوء والراحة .. ومنهم من يجمع بينها جميعًا .. الخ.
والاختلاف السادس أنه لا يحس بالقهر الكامل إزاءه .. !
فعلى كل ما فيه من سعة وتنوع وعمق .. و"ضراوة"أحيانًا .. فالإنسان"يملك"إزاءه أشياء كثيرة! يملك الامتناع عنه [ولو لفترة من الوقت] .. الامتناع عن مبدأ أو عقيدة أو ضرورة .. يملك"التسامي"الذي سماه فرويد نوعًا من أنواع الشذوذ! ويملك اختيار السلوك الذي يسلكه فيه، ويملك تحديد الهدف الذي يريده منه. وهي كلها تمثل حرية الاختيار في مقابل القهر والإجبار!
هذه الضوابط الفطرية -كما رأينا- ليست نوعًا واحدًا بل أنواع.
وليست متجهة إلى المنع .. وإنما هي أقرب إلى التنظيم.
إنها كلها حواجز تقف في طريق التيار المندفع .. ولكن لا لتمنعه بل لتضبط انطلاقه. وحتى إذا منعت جانبًا منه، فلكي ترفع مستواه لينطلق في أفق أعلى ..
إنها كالخزانات والقناطر المقامة على مجرى الماء لتنظم انطلاقه .. إنها -بادئ ذي بدء- تحجزه قليلا حتى يرتفع مستواه. ثم تسمح لجانب منه بالمرور مباشرة في مجراه الأصلي. وتستفيد ببعضه في نطاق آخر لم يكن ليصل إليه لو ترك بلا حواجز ولا رفع .. وتشتد أحيانا في حجز جانب منه .. لنستخرج منه طاقة الكهرباء!
وهذه الضوابط التي رأيناها، والتي تميز بين نشاط الإنسان ونشاط الحيوان تحجز الدوافع الفطرية -قليلا- لترفع مستواها كله. ثم تسمح بقدر منها ينطلق في مجاله الأصلي: مجال الطعام والشراب والملبس والمسكن والجنس والقتال والملك والبروز .. وإن كان ينطلق على مستوى أعلى مما كان في منبعه. وتحول قدرًا منها -بعد أن رفعته- إلى مجالات جديدة غير مجالاته الأصلية المباشرة [وهي عملية"التسامي"التي قال فرويد إنها شذوذ .. وهي فطرة لا شذوذ فيها إلا من زاوية النظر الحيوانية التي نظر بها فرويد إلى الإنسان!] ثم تشتد في منع جانب منها لتكوّن منه طاقة هائلة كطاقة الكهرباء .. هي الطاقة المتصلة بالكفاح في سبيل العقيدة والمثل العليا!
هذه العمليات الثلاث التي تقوم بها الفرامل المنظمة لانطلاق"الشهوات".. تقوم بها فرادى ومجتمعة في ذات الوقت .. كما تعمل الدوافع ذاتها فرادى ومجتمعة في ذات الوقت!
فهي -مجتمعة- تحجز تيار الدوافع .. قليلا .. فلا يأخذ منه البدء صورة انطلاق الحيوان.
ثم يسمح بعضها بتمرير الدوافع -التي ارتفع مستواها- في نطاقها الأصلي، ولكن مع التنويع وتوسيع نطاق الانطلاق .. ففرملة التنويع هي التي نوعت ألوان الطعام، ونوعت سلوك الإنسان نحوه. وهي التي نوعت الملابس وتفننت في تفصيلها. وهي التي نوعت المسكن وزخرفته. وهي التي نوعت مشاعر الجنس. ونوعت آفاق البروز .. إن عملها هو التنويع. هو تلقي الدفعة الحيوية وتوزيعها من عيون مختلفة وعلى مستويات مختلفة .. وهي المتصلة"بالفن"في عالم الإنسان.