وفرملة تكوين الهدف هي التي تحول الدافع عن مجراه الأصلي -بعد رفعه- إلى مجالات جديدة لم يكن ليصل إليها لو ترك في مجراه الأصلي وعلى مستواه الأصلي. وهي التي حولت الطعام من شهوة بطن -وهي صورته الحيوانية الأصلية- إلى"قيم"أخرى. منها التعاون والإيثار والرحمة والتعاطف .. حين أوحت للإنسان -في مجال الطعام- أن يتعاون مع أخيه في سبيل الحصول عليه، ثم يتعاطف معه بإشراكه فيما يحصل عليه من طعام .. وأنشأت بذلك نظما اجتماعية واقتصادية وسياسية وفكرية وروحية .. الخ. وهي التي حولت الجنس من شهوة جسد خالصة -وهي صورته الحيوانية الأصلية- إلى قيم أخرى. منها الرحمة والمودة والسكن:"وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً" [1] ومنها المصاهرة والنسب .. ومنها التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية .. الخ. وعلى هذا النسق تدخلت في مجرى كل دافع من الدوافع الفطرية فحولته إلى قيم وتنظيمات ..
وفرملة الاختيار الحر قد استغلت عمل الفرملة المنوّعة والفرملة المكوّنة للأهداف .. وإن كانت تعمل -بعد ذلك- في نطاق أعلى. فهي التي تملك حجز الدافع حجزًا تامًا لفترة من الوقت .. لتولد منه فيما بعد طاقة الكهرباء!!
وهذه الضوابط -مجتمعة ومتداخلة- هي التي جعلت الإنسان هو"الإنسان"وحياته هي حياة الإنسان!
إنها هي التي جعلت الإنسان -وحده في كل ما نعلم من صنوف الخلق- هو الذي ينشئ ويبني ويعمر .. ويقوم بدور الخلافة عن الله ..
إنها هي التي جعلت"حب الحياة"-الذي يشترك فيه الإنسان مع كل الأحياء- يتحول إلى"تجميل الحياة"!
الإنسان يحب الحياة فيجملها .. ويتجمل هو في أثناء تجميلها!
يجملها في عالم المادة وعالم الروح .. في النطاق المحسوس ونطاق المعنويات.
يجملها فيستخرج كنوزها وينشئ منها صناعات تيسر لها لحياة .. ينشئ منها مساكن مريحة وأدوات للإنتاج مريجة .. ينشئ القطار والسيارة والطائرة والصاروخ .. وينشئ المنسوجات المتعددة ليلبسها .. وينشئ الأطعمة المختلفة ليأكلها .. وينشئ الحدائق ليستمتع بما فيها من جمال.
ويجملها فينشئ فيها قيما جميلة .. ينشئ فيها العدل والحق والإخاء والمساواة .. والنظم والتنظيمات.
ويتجمل هو في أثناء تجميلها .. يتجمل في عالم المادة وعالم الروح .. في النطاق المحسوس ونطاق المعنويات.
يتجمل باللباس والزينة .. ويتجمل بالمطعم والمشرب والمسكن ..
ويتجمل بالأخلاق والمشاعر والأفكار والعقائد ..
كلها ألوان من الجمال الحسي والمعنوي، يصنعها الإنسان في نفسه وفي الحياة من حوله .. نتيجة لوجود هذه الضوابط الفطرية في كيانه، التي ترفع مستوى الدوافع وتمدها في الآفاق ..
إنها تصون الطاقة البشرية أن تتبدد في مستوى الحيوان. فتستهلك بلا إنتاج ..
الحيوان يستهلك طاقته كلها في شهواته. ولا يُبقى فائضًا. ولا يملك فائضًا يحوّله للإنتاج. والإنتاج الوحيد الذي اقتضت حكمة الله أن تمنحه إياه، هو الإنتاج الجنسي .. إنتاج نسل جديد يحل محل القديم حين يموت .. أي أنه في الحقيقة يقوم بمجرد الاستمرار .. لا الإنتاج الحقيقي الذي يزيد حجم الحياة.
أما الإنسان فلغير ذلك خلقه الله ..
لم يخلقه ليستهلك نشاطه بلا إنتاج ..
بل خلقه لينتج .. لينشئ .. ليبدع .. بما أودعه الله فيه من قدرة الإنشاء حين نفخ في قبضة الطين من روحه .. بقدر ما تطيق قبضة الطين، وبقدر ما يرى الله -بحكمته وعلمه- أنه يصلح للدور الذي ناطه بالإنسان.
ولكي ينتج لا بد أن يحجز جانبا من الطاقة لا يتبدد في نشاط الحيوان!
(1) سورة الروم [21] .