يحجزه بهذه الفرامل المختلفة .. ويأخذ الفائض فيحوله إلى إنتاج .. إنتاج في عالم المادة وعالم الروح .. في الزراعة والصناعة والبناء والتعمير .. وفي المشاعر والأفكار والفنون.
إنتاج يجعل الحياة جميلة، ويجعله هو جميلا في تجميلها ..
ويجعله -بذلك- موصول القلب بالكون الأعظم ونواميسه الكبرى، وبالجمال الذي تشتمل عليه هذه النواميس.
ويكون بذلك جديرًا بأن يكون خليفة لله. وجديرًا بالتكريم الذي منحه لله إياه.
ليست هذه الضوابط إذن معوّقا للإنسان عن إتمام نموه .. ولا معوّقا للإنسان عن الحياة!
وقد جاهد فرويد جهادًا عنيفًا ليشوه صورة الضوابط بكل وسيلة من وسائل التشويه.
وقد أثبتنا فيما سبق من هذا الفصل كلامه عن الأخلاق بأنها تتسم بطابع القسوة حتى في صورتها الطبيعية العادية. وكلامه عن التعارض بين الحضارة وبين النمو الحر للطاقة الجنسية. وكلامه عن"التسامي"بأنه شذوذ!!!
وقد أنفق سنوات من عمره ليثبت أنه ليس هناك إلا أحد طريقين اثنين: إما انطلاق الطاقة الشهوية -الجنسية في أساسها- انطلاقا"حرًا"أي حيوانيا لا شذوذ فيه! وإما الكبت المدمر للأعصاب المبدد للطاقات المفسد للحياة!
وليس هناك طريق ثالث .. !
وأنت أيتها البشرية فاختاري إما انطلاق الحيوان وإما الشقاء وفساد الأعصاب!
أما عملية"الضبط"فلم يشر فرويد إليها!
ليس في عرفه"ضوابط".. وكل شيء في عرفه كوابت .. ضارة مفسدة كريهة!
ثم إن الكبت -وهو الصورة الوحيدة عنده للمنع والضبط- عملية مفروضة على الإنسان من الخارج. تبدأ أول ما تبدأ بلوثة العشق الجنسي الذي يحسه الطفل نحو أمه، ثم يجد أباه الضخم الهائل الحاكم بأمره وجبروته حائلا بينه وبين الوصول إلى هذا العشق"فيكبته"!! وحين يكبته أي يمنعه البتة يتحول إلى قيم ومبادئ .. وإلى دين!!
وقد ناقشنا من قبل أسطورة العشق الجنسي في حياة الطفل .. ولا نحتاج إلى مناقشتها مرة أخرى فهي مجرد أسطورة! ولكنا نقول هنا إن عملية الحجز كما رأيناها ليست كلها منعا. وإنما هي أقرب للتنظيم والضبط. وأن الجانب الذي يُمنَع لتتكون من حصيلته مبادئ ومُثُل هو جانب واحد فقط من الطاقة. وهو لا يسبب فسادًا للأعصاب ولا تدميرًا للحياة .. ما دام الجانب الآخر يأخذ منطلقه الطبيعي في مجراه الأصيل ..
ونقول كذلك إن عملية الضبط فطرية طبيعية داخلية بما أنها تستخدم أجهزة فطرية واستعدادات فطرية .. فالتنويع، وتكوين الأهداف، والاختيار الحر .. وهي المجموعات الثلاثة الكبرى من الضوابط، استعدادات وطاقات تنشأ من داخل الكيان النفسي، ولا تنشأ -ولا يمكن أن تنشأ- من أي ضغط خارجي. والإنسان يستخدمها استخدامًا حرًا في كل مجالات النشاط الحيوي من طعام وشراب ومسكن وملبس .. وجنس!
ثم إنها -فوق ذلك- هي المقابل الواعي المدرك المفكر للصمام الغريزي عند الحيوان .. فهي تتناسب مع طبيعة الإنسان كما يتناسب الصمام الغريزي مع طبيعة الحيوان. أم كان يريد فرويد أن يكون الإنسان بلا ضوابط أصلا، فلا يصبح حتى كالحيوان؟!
وبعد ذلك كله .. من ذا الذي يقول إن عملية الإنتاج الهائلة التي تنشأ من وجود الضوابط الفطرية في كيان الإنسان .. الإنتاج المادي والروحي .. الذي يتمثل في الإنشاء والتعمير والبناء والحضارة .. والفنون والأفكار .. من يقول إن كل ذلك إفساد للحياة البشرية وتدمير لكيان الإنسان؟!
ولكن هذه الضوابط مع كونها فطرية .. ومع كونها تؤدي هذه المهمة الضخمة في حياة الإنسان .. فهي لا تنمو بمفردها دون معونة خارجية!