دراسات قرآنية
للشيخ
محمد قطب
حفظه الله
تمت طباعة هذه النسخة الإلكترونية بالإعتماد على النسخة الورقية لـ
دار الشروق
بسم الله الرحمن الرحيم
"كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ"
صدق الله العظيم
لي مع القرآن قصة طويلة!
بدأت أقرؤه -لنفسي- في التاسعة من عمري، دون موجّه ولا شارح ولا معين! إنما هي كانت رغبة ذاتية عندي في قراءة كتاب الله، وحفظه كذلك إن أمكن!
وبالفعل حفظت الربعين الأولين من سورة البقرة، ولكني لم أصبر للحفظ أكثر من ذلك، ولم أستطع أن أقاوم الرغبة في قراءة الكتاب كله من أوله إلى آخره .. فقرأته في تلك السنة في عطلة الصيف.
وبديهي أنني لم أفهم الجزء الأكبر مما قرأت! فما كان أحد يشرح لي، وما كنت أستعين بأحد لكي يفعل! ولكن ذلك لم يخذلني عن متابعة القراءة إلى نهاية المصحف، بقليل من الإدراك، وتطلع إلى مزيد.
واستوقفتني في أثناء تلك القراءة مواضع معينة من القرآن، فعدت أتلوها المرة بعد المرة، وقد عرفت مكانها من الكتاب.
استوقفتني القصص كلها بصفة عامة، وقصة سيدنا موسى بصفة خاصة، في كل موضع ترد فيه. وكان منظر السحر وثعابينهم وعصا موسى تلقفها وتأتي عليها، منظرًا خلابًا بالنسبة لي. أظل أتمثله مرة ومرة ومرة .. وكذلك انفلاق البحر"كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ".. ولكن منظرًا معينًا ظل يشدني إليه شدًا، ينطلق معه خيالي الطفل إلى أقصى المدى فلا يقدر على الإحاطة به -ومن يقدر؟! - فأعود أتملاه من جديد، وتهتز نفسي هزة عميقة في كل مرة، فأقرأ الآية من جديد:
"وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ" [1] .
وفي كل مرة أنظر -مع موسى- إلى الجبل! ثم أترقب في كل مرة أن يثبت الجبل فيرى موسى ربه!! ثم أرى أنه لم يستقر! وأتخيل صورة ارتجاج الجبل وهو يندك، حتى يخر موسى صعقًا، ويظل هنالك مغشيًا عليه فترة حتى يفيق.
لست أدري كم مرة قرأت قصة موسى في القرآن وأنا طفل، ولا كم مرة عرّجت على سورة الأعراف بصفة خاصة. ولكني أذكر أنه ما من مرة قرأت الآية إلا وتتبعتها بخيالي كأنني أقرؤها أول مرة! وأروح أترقب أن يثبت الجبل وتتم رؤية موسى لربه، وأنا أعلم من قراءاتي السابقة أن هذا لم يحدث!، ولكني أظل أترقب حتى تجيء الزلزلة العنيفة التي تدك الجبل فأعلم أن موسى لم ير ربه وإنما خرّ مغشيًا عليه!
تلك فترة قد خلت، بخيالاتها الطفلة، وإدراكها المحدود!
ثم عدت إلى الكتاب مرة أخرى في مرحلة الصبا ما بين الثالثة عشرة والسابعة عشرة، بإدراك أكبر هذه المرة، وعلى نحو جديد!
كنت في هذه الفترة أعيش في جو من"الروحانية"، ومن الاهتمام بالفن في ذات الوقت.
كنت أعيش في إشراقة روحية دائمة مع الله، وفي خيالات دائمة كأنها أحلام اليقظة، وإن كانت لا تشغلني -كثيرًا- عن واقع الأرض المحسوس! وكنت قد بدأت أكتب الشعر، أو ما يخيّل إلي يومئذ أنه شعر! وهو في حقيقته -وإن كان موزونًا- أقرب إلى خيال الأطفال وعواطف الأطفال!
(1) سورة الأعراف: 143.