وفي تلك الفترة كان القرآن يهزني كما يهز الصوفي في سبحاته. وخاصة حين كنت أسمع تلاوته من الشيخ محمد رفعت في المذياع .. كنت أحس أنه يقرأ بروحه لا بلسانه. يقرأ من أعماق قلبه. وكان صوته المعبّر الشجيّ يلتقى تمامًا بما أحسه يومئذ من أحاسيس، فيخيل إليّ وأنا أستمع إليه أنني أستمع إلى الملأ الأعلى، وأن نبرات صوته أطياف من النور. وغلب على وهمي -بغير منطق بالطبع! - أن القرآن هكذا أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم! بهذه النغمات الصافية التي يشع منها النور .. وكان من أشد تلاواته تأثيرًا في نفسي تلاوته لسورة مريم .. وما تزال!
كنت في هذه الفترة أكثر إدراكًا لمعاني القرآن مما كنت في الطفولة بطبيعة الحال .. ومع ذلك فلم أكن -في حالتي تلك- أقف طويلًا عند موضوعاته كما كنت أصنع حتى في أيام الطفولة! كان يهزني ككل! بصرف النظر عن الموضوع! وكانت قراءته أو الاستماع إليه ينقلانني نقلًا من عالم الأرض المحدود إلى عالم غير محدود .. عالم لا يهمني -وقتئذ- تبين ملامحه! إنه عالم مسحور!
كانت موسيقى النسق القرآني الفريد تهزني وتبهرني، فأسبح على أنغامها غير ملتفت كثيرًا إلى ما ألتقي به -في أثناء هذه السباحة الروحية- من موضوعات أو"مفاهيم".. لا لأني -يومئذ- لا أدركها، فقد كانت حصيلتي الثقافية قد نمت بقراءة ما قرأت من كتب العقاد وطه حسين والمازني وهيكل وغيرهم .. بحيث أستطيع أن أستوعب من معاني القرآن ومفاهيمه قدرًا غير ضئيل .. ولكني مشغول عن ذلك بتلك الانطلاقة الروحية مع القرآن من ناحية، ثم بالجانب الفني من النسق القرآني من جهة أخرى .. بصرف النظر عن الموضوع! وإن كانت موضوعات"القدرة الخارقة"ذات صدى خاص في نفسي أكثر من غيرها من الموضوعات!
في تلك الفترة كانت سورة مريم -بصفة خاصة- تجذبني إليها جذبًا قويًا لا أستطيع له دفعًا، بل لا أحب له دفعًا!!
كانت فيها القدرة الخارقة من ناحية في ولادة الغلام لزكريا وخلق عيسى بغير أب. وكان فيها النغم الموسيقى العجيب النسق من ناحية أخرى، فإذا أضيف إليهما تلاوة الشيخ رفعت فقد بلغت في نفسي مبلغا من التأثير لا يمكن وصفه بالكلمات!
وما زلت أذكر إلى هذه اللحظة تأثير هذه السورة في نفسي من أولها إلى آخرها .. وإن كانت أجزاء معينة منها كان لها في نفسي تأثير أشد. أولها تلك الحروف في مفتتح السورة، التي لا مثيل لها في كل ما بدئت به السور من حروف.