الصفحة 3 من 379

كهيعص .. عجيبة في ذاتها، وأعجب -في حسي يومئذ- بتلاوتها، وخاصة العين الممدودة التي تقرأ كالمشددة! ثم بداية الكلام بعدها هكذا:"ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا"! ثم الجو المسحور (بالنسبة لي وقتها) الذي توحي به كلمة"نِدَاء خَفِيًّا":"إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا". ثم هذا النداء ذاته:"قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّاسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا".. ثم كانت تهزني تلك الصورة:"وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّاسُ شَيْبا"فأتخيلني -وأنا بعد صبي- في مثل تلك الصورة فتهتز نفسي هزة لا أستطيع أن أقاومها! ثم المفاجأة -بعد هذا الدعاء مباشرة- بإجابة الدعاء:"يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا"! تلك الصلة الخفية بين هذا العبد الصالح وربه، التي تجعله ينطق بالدعاء فيستجيب الله له على الفور [بحسب ظاهر السياق في الآية] .. كانت تنقلني إلى تلك السبحات الروحية التي تغمر روحي بأطياف من النور! ثم .. القدرة الخارقة: كذلك قال ربك هو عليّ هين، وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئًا"والآية .."قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا"كلها .. كلها .. في ذلك الجو السابح في النور! وخاصة ختام القصة:"وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا"!!"

ثم قصة مريم كلها .. بما فيها من خوارق .. وما في نسق التعبير من موسيقى .. روعة تأخذ بحسي لا يشابهها شيء على الإطلاق! ووقفات عند:"فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا .."أو على القراءة الأخرى:"فَنَادَاهَا مِن تَحْتَهَا .."كلتاهما تهز النفس بالمفاجأة التي تبدو فيها القدرة الخارقة .. وكلام عيسى للناس:"قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا .."وختام القصة مرة أخرى:"وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا"!

ولم يكن يفوتني -يومئذ- من الناحية الفنية ذلك الفرق بين الختامين:"وسلام عليه .."والسلام علي ..."هناك"سلام"، وهنا"السلام".. وكان يوحي ذلك إلى يومئذ بأن المقصود هو إعطاء أهمية خاصة لعيسى، ورفعه فوق يحيى درجات!"

كما لم يكن يفوتني -من الناحية الفنية- ذلك التغيّر الموسيقي في نهاية قصة عيسى، في قوله تعالى:"ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ"والآيات الست التي تتلوها، حيث يختلف الرويّ مرة واحدة في السورة كلها عما قبله وما بعده، إذ تنتهي الآيات بالياء الممدودة".. وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا"أو الهمزة المفتوحة"وَلَمْ تَكُ شَيْئًا"إلا هذه الآيات السبع من السورة كلها (غير أحرف الابتداء: كهيعص) .. لم يكن يفوتني، لشدة اشتغالي بالناحية الفنية إلى جانب الجو الروحي، فكنت أحاول أن أعللها بأنها لفت نظر إلى شيء هام يراد لفت النظر إليه، وهو في الوقت ذاته خارج عن سياق القصة ذاتها، وهو التقرير الرباني بأن هذه هي حقيقة عيسى بن مريم الذي امترى فيه الممترون .. حتى إذا انتهى التعليق -أو التقرير- وعادت السورة تروي قصص عدد آخر من الأنبياء، عاد الرويّ الأصلي الذي استخدم في القصص من أول السورة:"وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا ...".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت