الصفحة 4 من 379

ولأمر ما كانت هاتان الآيتان من السورة تهزانني:"وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا، وَكَانَ يَامُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا"ولا أذكر الآن لماذا على وجه التحقيق! وإن كان لا بد من سبب معين أو أسباب .. وربما كان انشغالي وقتها بنسب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى إسماعيل، وإنكار أهل الكتاب النبوة في فرع إسماعيل واحدًا من هذه الأسباب!

وأذكر كذلك تأثري العميق بهذه الآيات:"وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا، تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا، أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا".

ثم هذه الآية:"إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا".. ويلفتني فيها بشدة أن النعيم هنا ليس نعيمًا حسيًا .. إنما هو الود .. الود من الرحمن .. وكانت هذه -في الجو الروحي الذي أعيشه- ذات رنين خاص.

أما الآية الأخيرة فكان الجانب الفني فيها يصل بي إلى الغاية:"وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا".. ورغم أنني لم أكن أعلم على وجه التحديد معنى كلمة"ركزًا"فقد كان يتمثل لي"الرواية"في المسرحيات القديمة الذي يعقّب على الأحداث بعد انتهائها ليعطي العبرة للمستمعين .. المسرح خال من آثار هاتيك القرون .. ثم يجيء السؤال كأنه همس في ذلك الصمت المطبق، صمت الفناء:"هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا"ويجيب الصمت بالنفي .. ويسدل الستار!

في تلك الفترة كذلك كانت تجذبني سور بعينها في القرآن -لا من ناحية موضوعها! ولكن لأنها تختلف في الرويّ عن الغالب في سور القرآن [وهو الياء الممدودة أو الواو الممدودة وبعدها الميم أو النون] . وكان من بين هذه السور سورة طه، وسورة الفرقان، وسورة ص، وسورة الفتح، وسورة ق، وسورة النجم، وسورة القمر .. ولكن"النجم"كانت هي القمة في حسي يومئذ من حيث التنغيم الموسيقي بعد مريم، فكانت لها في نفسي جاذبية خاصة ..

أما هذه الآية من سورة القمر:".. فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ"فكانت روحي تسبح فيها سبحات .."،"فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ، وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ"! إنه ليس ماء إذن هذا المنهمر من السماء والمتفجر من الأرض .. إنه قدر! قدر يتم .. صورته الحسية ماء .. وهو في حقيقته قدر .. والصورة الحسية ذاتها! ماء منسكب من السماء، وماء يخرج من الأرض .. وحين يمس الماء المنسكب من السماء ماء الأرض المتفجر .. يتم القدر! كما تحدث الشرارة حين يتلامس سلك الكهرباء الموجب وسلكها السالب .. وإن كانت هنا لا توجد شرارة .. وإنما يُقدِّرُ قدر!"

تلك فترة أخرى قد خلت .. بكل سبحاتها الروحية، وكل انشغالها بالجانب الفني من الحياة!

ثم كانت فترة الشباب الباكر، وكانت جولة أخرى مع الكتاب .. جولة مختلفة تمامًا عن السابقة!

فإن كان هناك الجو الحالم، وسبحات الروح، وموسيقى النغم، وجمال الفن ... فهنا صحوة ذهنية كاملة، قلما تحلم! وبحث عن الأفكار المجردة، والمفاهيم الكلية .. بحث أقرب إلى التجريد الفلسفي .. لا يرى الأشياء في صورتها المحسوسة، إنما يراها مبلورة في"فكرة"، ومصورة في"مفهوم كلي"!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت