كنت في هذه الفترة أدرس في الجامعة؛ ورغم أني كنت أدرس"الأدب"الانجليزي، أي أنه ينبغي أن أعيش في جو الأدب والفن، والموسيقى والحلم .. إلا أني كنت قد عبرتُ هذه الفترة من عمري من قبل! وكما كنت في الفترة السابقة مشغولًا بالفن لحسابي الخاص لا لحساب الدراسة، إذ كنت في دراستي الثانوية في القسم العلمي لا القسم الأدبي! فكذلك شعرت اليوم أنني"أتفلسف"لحسابي الخاص، ولا أعيش كثيرًا في جو الدراسة، إلا بمقدار ما يمكن أن يدخل من هذا"التفلسف"في بعض الدروس أو بعض الدراسات!
وفي هذه الفترة عكفت على القرآن أبحث فيه عن"فكرة"الله سبحانه، مقارنة بفكرة الله في اليهودية المحرفة والمسيحية المحرفة، وبالنرفانا الهندية، والديانات الوثنية الأخرى من آلهة الفراعنة إلى أساطير اليونان إلى أساطير الفرس .. إلى البوذية وغيرها من الديانات ..
وما أزعم أنني أدركت يومئذ من تلك القضايا ما أدركه اليوم مثلًا، بصرف النظر عن صحته أو خطئه، وعمقه أو ضحالته .. ولكني أقول فقط إن هذا هو الذي كان يشغلني في عكوفي على القرآن .. الله .. صفاته .. هل يمكن تصوره؟ هل يمكن تصور كيف يُجزى قدره في الكون؟ وهيمنته سبحانه على الكون كله .. هل يمكن تصورها أو تصويرها بالألفاظ؟
ثم .. المخلوق البشري .. أي شيء هو؟! ما حدوده؟ ما دوره؟ ما قيمة وجوده في هذا الكون؟!
ثم ..
الخير والشر .. والجمال والقبح .. هل هي قيم مطلقة أم قيم نسبية؟ وهل القيم الإسلامية فاضلة لأن الله فرضها وسماها؟ أم فاضلة"في ذاتها"! وما المقياس؟ هل هناك مقياس نقيس إليه هذه القيم؟ وما هو؟ ومن صنع من؟ ومن الذي يحق له أن يضع المقياس؟
والحياة الأخرى .. ضرورة هي؟ لها دور معين تؤديه في الحياة الدنيا؟ أم هي فقط محل القصاص الرباني الكامل والجزاء العادل؟
والعبادات .. أهي لأن الله فرضها؟ أم التعبد رغبة فطرية في البشر حتى ولو لم يأمرهم به الله؟
والوحي .. ما هو؟ بأي طريقة يتم؟ أي جهاز في هذا الكيان البشري يتلقاه؟ وأين تلك الأجهزة الخفية من كيان الإنسان؟ هل لها"مكان"معين فيه؟ أم كيف تعمل .. وكيف تتلقى .. وكيف تعي؟
إلى آخر تلك الأمور التي علمت -فيما بعد! - أن علماء الكلام خاضوا فيها، وأنهم قالوا -في معظم الأحيان- كلامًا لا يسمن ولا يغني من جوع! وعلمت كذلك -فيما بعد! - أنه- في صورته التجريدية البحتة- لون من التفكير الضائع لا يستحق أن يبذل الجهد فيه؟
حقيقة أنني لم أخض موضوعًا واحدًا من هذه الموضوعات بروح الشك الذي كنت أسمع عنه عند"الفلاسفة".. وأمقته كذلك! وحقيقة أنه كان أقرب إلى التأملات منه إلى التفكير المضني .. تأملات هادئة، ولكنها ذهنية .. تعيش في عالم التجريد لا في عالم المحسوس ..
وانقضت تلك الفترة لأعود إلى القرآن من جديد!
فن مرة أخرى؟
نعم ولكن من نوع آخر، وعلى مستوى جديد!
كان الشقيق يعدّ كتابه"التصوير الفني في القرآن"يتحدث إليّ في بعض جوانبه فتستهويني وتفاجئني مفاجأة تامة .. على كل ما عشته من قبل مع القرآن في جو الفن! أو على الأقل تفسر لي أسباب تأثرات سابقة لم أكن أدري كنهها .. وتضع يدي على مفاتيح الجمال الفني في التعبير القرآني فأروح أراجعه مرة أخرى بوعي جديد ..
يمكن أن نقول إنه تأثر فني واع، غير ذلك التأثر المبهم الذي كان من قبل، والذي كانت تطويه في جنباتها سبحة الروح!
وحين تكون في يدك المفاتيح .. وحين تعود إلى الأماكن التي رُدتها من قبل فلم تستطع فتح مغاليقها، فتجرب أن تفتح فتتفتح بين يديك .. إنها متعة هائلة، وفسحة هائلة .. وثروة هائلة!
وعدت"أستمتع"بالقرآن من جديد، على ضوء هذا النور الكاشف الجديد!