كانت أمنية يتمنونها للتباهي على اليهود فحسب! فلما جاءهم النذير الذي تمنوه ما زادهم إلا نفورا؛ استكبروا على الإيمان، وكذبوا الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ومكروا المكر السيء بالتكاتف على الكفر والتكذيب وتعذيب المؤمنين واضطهادهم وإيذاء الرسول -صلى الله عليه وسلم- بكل وسائل الإيذاء! فماذا ينتظرون من وراء ذلك؟ إن المكر السيء لا يحيق إلا بأهله، فينقلب عليهم في النهاية بالدمار والخسران .. كذلك مضت سنة الأولين، ودمر الله على المكذبين لكل رسول أرسله من قبل. وهي سنة جارية لا تتبدل ولا تتحول .. لأن سنة الله هكذا، ليس من شأنها التبديل أو التحويل .. أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة قوم صالح وقوم هود وقوم لوط وقوم شعيب .. وغيرهم وغيرهم .. وقد كان هؤلاء أقرب الناس إليهم في جزيرة العرب، وهم يمرون عليهم في سفرهم صباح مساء .. أو لا يرون أن أولئك الأقوام: عاد وثمود وغيرهم كانوا أشد منهم قوة؟ فإذا كان الأقوياء قد أهلكوا، فما بالهم هم؟! هل يستعصون هم على الهلاك؟"وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا"فضلًا عن أن يعجزه أولئك الحفنة من المكذبين!"إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا"وقد مر من آيات علمه وقدرته ما مر في السورة .. ومن كان هذا شأنه من العلم والقدرة فلن يغلبه شرذمة من كفار قريش!
وإنهم ليستعجلون بالعذاب! ويتحدون الرسول -صلى الله عليه وسلم- إن كان صادقًا أن ينزل عليهم حجارة من السماء!"وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ" [1] "وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلاَتُ .." [2] .
فهنا يقول لهم:"وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا".
كما قال لهم في سورة النحل:"وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ" [3] .
وفي الحالتين أدخلهم في زمرة الدواب! وإن كان اللفظ -لغويًا- يشمل كل ما دب على الارض، بما في ذلك الإنسان! ولكن العرف جرى على استعمال"الدواب"للحيوان .. فهنا يدخلهم في زمرة الحيوان لإصرارهم على الكفر والتكذيب ..
وهذه هي النهاية للمكذبين، الذين يصرون على التكذيب بعد ذلك البيان المفصل المعجز المبين.
تلك نماذج ثلاثة من السور المكية .. يتبين منها:
أولًا: كيف أن لكل سورة جوًا خاصًا وتخصصًا معينًا .. رغم تشابه العرض أحيانًا ورغم وحدة الموضوع ..
ثانيًا: كيف أن كل سورة هي وحدة متكاملة مترابطة في سياق واحد متصل من بدئها إلى نهايتها مهما حوت من موضوعات ..
(1) سورة الأنفال: 32.
(2) سورة الرعد: 6.
(3) سورة النحل: 61.