الصفحة 212 من 379

لقد كان ذكر القصة من قبل يأتي في العهد المكي، والمسلمون مشردون في الأرض لم يمكّنوا بعد. والآن ترد القصة في العهد المدني .. بعد أن قامت الدولة المسلمة وبدأت تتمكن في الأرض .. فهل لذلك علاقة بذكر الاستخلاف في هذا الموضع؟!

ربما .. والله أعلم! فهنا بعد أن استقر المسلمون في الأرض، أصبح من المناسب أن يذكر لهم أن أباهم آدم خلق ليكون خليفة في الأرض. وهم -اليوم- هم ورثة الاستخلاف، المطلوب منهم أن يقيموا الخلافة الراشدة في الأرض!

كذلك يذكر هنا لأول مرة -على كثرة ما ذكر من قبل من قصة آدم في السور المكية- قصة تعليم آدم الأسماء كلها:

"وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ".

فهل هناك توجيه معين هنا من ذكر هذه القصة في مفتتح السورة المدنية الأولى التي جاءت لتحدد سمات المجتمع الإسلامي؟

مرة أخرى نقول: ربما! والله أعلم!

إن هذه الأمة التي بدأ استخلافها في الأرض مقدر لها في علم الله أن تكون هي المهيمنة على حياة البشرية فترة مديدة من الزمن. ومقدر لها كذلك أن تكون هي الأمة"العالمة"في الأرض في تلك الفترة من الزمن، وأن تنشئ الحركة العلمية التي تعيش عليها البشرية قرونًا أخرى فيما بعد .. فهل لذلك علاقة بذكر تعلم آدم للأسماء كلها؟!

ثم يجيء في ختام القصة هذا التوجيه:"قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، وَالَّذِينَ كَفَروا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ".

ولقد ورد مثل هذا الختام من قبل في العهد المكي في سورة طه:"قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى، وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى" [1] .

هناك كان يتحدث عن المصير في الآخرة فحسب .. كان حديثًا في العقيدة ..

ولكن الختام هنا -ولو أنه يتحدث عن المصير في الآخرة، ويتحدث حديث العقيدة- إلا أنه يخدم أغراضًا أخرى!

إنه سيتحدث بعد هذا مباشرة عن بني إسرائيل:"يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ".

ومن قبل تحدث عن الكفار الصرحاء:"كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ".

(1) سورة طه: 123 - 127.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت