الصفحة 213 من 379

وتأتي القصة بين هذين الحديثين عن الكفار الصرحاء، والكفار المنافقين من بني إسرائيل .. فما صلة القصة بهذا وذاك .. وما موضع الختام بين هذا وذاك؟!

إن القصة كلها -بختامها- تخدم- كما قلنا- أغراضًا شتى ..

لقد بدأت السورة بوصف سمات المؤمنين، للتقرير -كما قلنا- وللتوجيه ..

ثم راحت تعرّف المؤمنين بعدوّيهم المحيطين بهم في ذلك الوقت: المشركين، وهم الكفار الصرحاء، وبني إسرائيل وهم الكفار المنافقون.

ثم .. لكي يبين لماذا وجد هذا الوضع .. وضع وجود مؤمنين وكفار، أورد قصة الإنسان الأول -آدم- الذي هؤلاء نسله: المؤمنون منهم والكفار كذلك .. وأورد فيها الموعظة الخاصة بفتنة الشيطان لآدم وإخراجه من الجنة .. ثم جاء ختام القصة ليقول إن الله عهد إلى آدم أنه سيرسل للناس"هدى"فمن تبعه فأولئك هم الناجون، ومن كفر به فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.

هذا إذن هو منشأ وجود الكفار والمؤمنين في الأرض ...

هبوط آدم من الجنة، وإرسال الهدى من عند الله، فيتبعه بعض بني آدم ويكفر به آخرون ..

وإذن فقد جاءت القصة لتفسر وجود المؤمنين، وهم الذين اتبعوا الهدي الرباني والكفار بِشِقِّيهم، وهم الذين لم يتبعوه ..

ثم إنها تجيء كذلك مدخلًا للحديث المطول المفصل عن بني إسرائيل، الذي جاء هنا لتعريف المؤمنين بعدوهم الجديد الذي برز في المدينة .. ومن ختام القصة يأتي المدخل إلى بني إسرائيل! إن ختام القصة يتحدث عن عهد الله لآدم، وجزاء من يفي بالعهد وجزاء من يخيس به.

وبمناسبة عهد الله آدم يجيء ذكر عهد الله لبني إسرائيل .. إنه نفس العهد المبذول لآدم: إن أطاعوا واستقاموا على الطريق فلهم التمكين والاستخلاف في الأرض، والجنة يوم القيامة .. وإن عصوا فلهم الضياع هنا وهناك ..

ومن هذه النقطة: نقطة العهد، يبدأ ذلك الحديث المفصل المطول عن بني إسرائيل، يبين في كل خطوة كيف أنهم خانوا العهد، وكيف أنهم لم يستقيموا مرة واحدة في تاريخهم كله على عهد واحد بذلوه!!

"يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ، وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُون ...".

ولن نتتبع السياق بالتفصيل ..

إنما نقول فقط إن السياق قد لخص في الآيات التالية [من 42 إلى 123] تاريخ بني إسرائيل الأسود كله! كفرهم وكذبهم والتواءهم وقتلهم الأنبياء بغير حق، وتبجحهم مع الله سبحانه وتعالى، واستهتارهم بكل العهود والمواثيق، وتحايلهم ومكرهم وخداعهم ..

وينتهي الحديث الموجه إليهم طيلة هذه الآيات كلها بهذا الإنذار الأخير:

"يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ، وَاتَّقُوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ" [1] .

(1) جاء هذا الإنذار ذاته بتنويع طفيف في عبارته في مبدأ الحديث إلى بني إسرائيل [47 - 48] "يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ، وَاتَّقُوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ". فكأنما بدأ الحديث بالإنذار وختم به!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت