إن التأدب الواجب مع الله يقتضي منهما أن يرفعا أمر إسلامهما إلى الله .. إنهما مسلمان بالفعل، وقد مرا منذ قريب بتجربة هائلة وابتلاء مبين. ولكنهما لا ينسّبان لأنفسهما ذلك الإسلام في الحاضر ولا في المستقبل. إنما يدعوهما الأدب مع ربهما أن يقولا:"ربنا واجعلنا مسلمين لك .."ثم تدركهما عواطف البشر الفطرية نحو الذرية المرتقبة فيقولان:"ومن ذريتنا أمة مسلمة لك .."ولقد علم إبراهيم من قبل أن العهد لن يكون إلا للذرية المسلمة إذ قال الله له:"لا ينال عهدي الظالمين"فهو يدعو أن تكون من ذريته أمة مسلمة ليستمر فيها العهد ولا بنزع منها، وكذلك يدعو إسماعيل .. ولكن السياق حين يقول"أمة مسلمة"بعد أذهاننا لمعرفة تلك الأمة التي يشير إليها؛ حتى إذا قال فيما بعد"ربنا وابعث فيهم رسولًا منهم .."تحددت الأمة وتعينت .. إنها هذه الأمة التي صارت تعرف باسم الأمة المسلمة والتي رسولها هو رسول الإسلام -صلى الله عليه وسلم-.
".. وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ".
إن إبراهيم وإسماعيل يدعوان الله أن يريهما كيف يعبدانه .."وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا"والمناسك تشمل شعائر التعبد جميعًا. ولكنها أخذت معنى اصطلاحيًا فصارت تطلق على مناسك الحج خاصة! ومناسك الحج متعلقة تعلقًا واضحًا بإبراهيم وإسماعيل بالذات، فكان من التناسق"الفني"أن يجيء ذكر المناسك على لسان إبراهيم وإسماعيل!
"وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ".
ومن التناسق الفني البديع كذلك هذه المدات الطويلة، التي تعطي جو الإطالة في الدعاء ذاته!"تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"".. وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ..""وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ"حتى إذا حان انتهاء الدعاء قال".. وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ"بغير مد كالسابق، إشعارًا بانتهاء الدعاء!!
"رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ"..
هذه هي الوثيقة التاريخية الهامة التي يعلمها بنو إسرائيل جيدًا ولكنهم يخفونها لأن إعلانها ليس في صالحهم! إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو دعاء إبراهيم وإسماعيل! ولقد دعا إبراهيم وإسماعيل ربهما أن يجعل من ذريتهما أمة مسلمة ويبعث فيها رسولًا منها .. وها قد آن أوان هذه الدعوة التي استجيبت من فورها، ولكنها ظلت في قدر الله وعلمه حتى آن أوانها المقدور ..
وإذن فهذه الأمة قديمة، مسجلة وموثقة على لسان إبراهيم نفسه، الذي يزعم بنو إسرائيل أنهم هم وحدهم المختصون بكل تراثه! ومسجلة وموثقة كذلك على لسان إسماعيل بن إبراهيم وفي حضور إبراهيم عليه السلام وبموافقته ومصادقته! فلا مجال لبني إسرائيل أن يقوموا بأي تشكيك في وثاقة هذه الأمة وصدق رسولها -صلى الله عليه وسلم- بعد إعلان هذه الوثيقة الخطيرة ..
ثم إن هذه الوثيقة تعلن الآن بالذات، لا قبل ذلك .. في اللحظة المناسبة لإعلان قيام الأمة المسلمة والدولة المسلمة، ونزع الخلافة والسلطان من الذرية الظالمة تحقيقًا لوعد الله من قبل:"قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ"..
وفي الوقت نفسه كذلك تعلن الأسباب التي دعت إلى نزع الخلافة والسلطان من تلك الذرية الظالمة ..
"وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ".