الصفحة 219 من 379

إن ملة إبراهيم هي هذه التي يحملها -محمد صلى الله عليه وسلم- ويسير على هداها:"قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" [1] "ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" [2] .. فمن رغب عن الدخول في ملة محمد -صلى الله عليه وسلم- فقد رغب عن ملة إبراهيم، وهي الهدى وهي الحق الذي لا يرغب عنه إلا من كان سفيهًا لا يحسن الإدراك ولا يحسن التقدير.

والتعبير يقول:"إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ"يعني لم يحسن التقير لنفسه .. ولكنه يوحى بمعنى: من أخسر نفسه .. أو من أهلك نفسه .. فيؤدي المعنيين في آن واحد: لم يحسن التقدير لنفسه فأوردها موارد الخسران والهلاك ..

ثم كأنما يشرح ملة إبراهيم التي يَسْفُه من يرغب عنها:

"... وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ، إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ".

هذه هي ملة إبراهيم: المسارعة إلى الإسلام لرب العالمين. فالسياق يوحي أنه بمجرد أن"قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ"ومن أجل هذه المسارعة إلى الإسلام فقد اصطفاه ربه في الدنيا والآخرة .. فمن يرغب عن هذه الملة المؤدية إلى هذا الخير إلا من سفه نفسه؟!

ثم إن الوثيقة الهامة التي تنشر اليوم تحوي سرًا خطيرًا يدين بني إسرائيل ويؤهل لنزع السلطان والخلافة منهم!

"وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ، أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ".

إن هذه الوصية الخطيرة هي إدانة كلها لبني إسرائيل الذين يرفضون الإسلام مع محمد -صلى الله عليه وسلم .. لقد وصاهم أبوهم يعقوب ألا يموتوا إلا وهم مسلمون. ومؤدى ذلك أن يتبعوا الإسلام حيثما وجد ويعتنقوه ليموتوا عليه. والإسلام اليوم مع محمد -صلى الله عليه وسلم- وعلى يده، فالعمل بوصية أبيهم يعقوب يستدعي أن يتبعوا رسول الإسلام، الذي يحمل ملة إبراهيم ويسير على هداها .. ثم إن أبناء يعقوب المباشرين وهم الأسباط الاثنا عشر جدود بني إسرائيل قد تعهدوا أن يعبدوا إلهًا واحدًا هو إله إبراهيم وإسماعيل وإسحق .. وذكر إسماعيل هنا بالذات على لسان الأسباط له دلالته إزاء إنكار بني إسرائيل لفرع إسماعيل كله، ورفضهم الإسلام على يد محمد صلى الله عليه وسلم لأنه من نسل إسماعيل وليس من نسل إسحق! لقد تعهد الأسباط أن يعبدوا إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، إلهًا واحدًا .. هو الله سبحانه وتعالى. وإله إبراهيم هو بطبيعة الحال إله إسماعيل وهو إله إسحق .. ولكن اليهود بموقفهم كأنما يزعمون أن إله إبراهيم هو إله إسحق فحسب، وليس إله إسماعيل!! وأنهم في حل ألا يعبدوا إله إسماعيل الذي هو إله محمد -صلى الله عليه وسلم-!! اكتفاء -في وهمهم- بعبادة إله إبراهيم وإله إسحاق!

ومن هنا تجيء أهمية ذكر إسماعيل في تعهد أبناء يعقوب، أن يعبدوا إله إبراهيم وإسماعيل وإسحق"إلهًا واحدًا ونحن له مسلمون"فلا حجة لهم اليوم أن ينكروا فرع إسماعيل، والنبي المبعوث من فرع إسماعيل -صلى الله عليه وسلم- ..

(1) سورة الأنعام: 161.

(2) سورة النحل: 123.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت