ثم تجيء"المفاصلة"بين الأمتين على أثر إعلان تلك الوثيقة الهامة:
"تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ".
لقد انتهت صفحة تلك الأمة وبدأت صفحة جديدة لأمة جديدة .. هي التي سيتناولها السياق منذ هذه اللحظة ويوجه إليها البيان!
"وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قُولُوا آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ، قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ، أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ، تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ".
إن الحديث متصل من حيث الموضوع، ولكنه يوجّه الآن للمؤمنين:
"وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ".
رغم ما سبق إعلانه من وصية يعقوب لبنيه فإن اليهود والنصارى يقولون للمسلمين: كونوا هودًا أو نصارى تهتدوا! ويوجّه الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يرد عليهم ردًا باتًا حاسمًا:"قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ".. فإن كنتم تزعمون أنكم على ملة إبراهيم فها هو ذا المحك .. أنا على ملة إبراهيم، وأنا أدعو إلى ملة إبراهيم، الذي كان مستقيمًا إلى الله، وما كان من المشركين .. فما موقفكم من هذه الدعوة المستقيمة التي لا عوج فيها ولا اضطراب؟ ثم يوجّه المؤمنون كذلك أن يردوا على هذه الدعوى:
"قُولُوا آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ".
إنها إجابة تقرر حقيقة .. وتقطع الطريق على كل جدل فارغ .. وتعلن في ذات الوقت هذه السمة الخاصة التي تتميز بها تلك الأمة المهيمنة، ذات الدعوة العالمية ..
تقرر حقيقة إذ تقرر أن هذه الأمة قد آمنت بالله وما أنزل إليها على محمد -صلى الله عليه وسلم، وما أنزل على الأنبياء جميعًا من قبل، فالأنبياء جميعًا جاءوا بكلمة واحدة وقضية واحدة: لا إله إلا الله .. اعبدوا الله ما لكم من إله غيره .. وهذه الأمة مؤمنة بهذه الكلمة وهذه القضية، ومؤمنة بكل من جاء بها من الأنبياء والرسل من قبل، لا تفرق بين أحد منهم، وهي مسلمة لله الذي دعا إليه كل هؤلاء ..