وتقطع الطريق على الجدل الفارغ إذ تقرر أن هذه الأمة مؤمنة بإبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وموسى وعيسى وبما أنزل إليهم .. فماذا يريد المجادلون أن يقولوا أكثر من ذلك؟ إن كل ما يقوله كل فريق منهم داخل في هذا الإقرار .. فماذا بقي لهم؟! إنما هم الذين يكذب بعضهم بعضًا، ويؤمنون ببعض الأنبياء ويكفرون ببعض .. فليرجعوا إلى أنفسهم ويصلحوا أحوالهم! أما المؤمنون فما هم في حاجة إلى دعاواهم الفارغة، فهم مؤمنون ابتداء -وحقيقة- بما يزعم كل فريق منهم أنه مؤمن به، مجرد زعم لا رصيد له من الواقع! ولو كانوا هم مؤمنين حقًا بما يزعمون أنهم مؤمنون به، لأدى بهم ذلك إلى الإيمان برسول الله -صلى الله عليه وسلم، الذي يقول نفس ما قالوه، ويعرض نفس ما عرضوه، فضلًا على أنه يحمل ملة إبراهيم ويسير على هداها، وهي التي يزعم كل فريق أنه ممثلها الأوحد!
ثم إنها تعلن تلك السمة الخاصة التي تتميز بها هذه الأمة .. إنها لا تحمل في صدرها حرجًا من رسول سابق، ولا تنكر كتابًا من الكتب المنزلة .. وبينما يتصارع كل فريق منهم، يثبت كتابه ورسوله وينفي كتاب الآخرين ورسولهم، تجيء هذه الأمة في اطمئنان الإيمان وأصالة الإيمان، تعلن أنها مؤمنة بالرسل جميعًا والكتب المنزلة جميعًا .. وأنها لا تحمل في صدرها غلًا لأحد ولا حرجًا من أحد! إنها السمة التي تؤهلها لدورها العظيم في الأرض، الذي يعلم الله أنه سيكون من نتائجه دخول يهود ونصارى في ذمة المسلمين، فيعاملونهم بالتسامح الذي يليق بالأمة الخاتمة، والأمة الرائدة التي بيدها مشعل النور لكل البشرية!
ويستمر السياق يخاطب المؤمنين:
"فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا .."وهو احتمال ضعيف بعد الذي مر من بيان سلوكهم!
"وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"شقاق مع الله، وشقاق ما بين كل فرقة وفرقة، وشقاق في داخل كل فرقة! والله متكفل سبحانه بأنه يكفي رسوله شرورهم وكيدهم، وهو السميع العليم.
"صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ"..
إننا نحن -هذه الأمة المسلمة- صبغة الله! إننا من صنع الله سبحانه وتعالى، على عينه، وعلى منهجه الرباني .. ومن أحسن من الله صبغة؟! هل هناك وجه للمقارنة بين هذه الأمة التي صنعها الله لتؤدي تلك الرسالة الخاتمة، وفتات تلك الأمم التي اختفت صبغة الله منها بانحرافها عن الطريق؟
"وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ"أما أنتم ... ؟!
"قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ".
إن بني إسرائيل يقولون دائمًا"إله بني إسرئيل"كأنما هو إلههم وحدهم! والنصارى يقولون:"الرب إلهنا!"ويقولون -نستغفر الله-"أبانا الذي في السماوات .."ثم ينكر هؤلاء وهؤلاء أنه -سبحانه- إله أحد غيرهم! فهنا يرد عليهم:
"قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ"فيقرر عقيدة هذه الأمة الصافية: أن الله رب الجميع ..
"وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ".. والحكم في النهاية بالأعمال، وليس بالدعاوى التي يدعيها كل فريق:"وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ" [1] .
(1) سورة المائدة: 18.